النهوض العربي ممكن : فكيف يمكن تحقيقه ؟
بيان القيادة القومية للبعث حول الموقف من احداث الوطن العربي والعالم ..
من غير الممكن تجنّب طرح سؤال يتجاوز حدود كل أزمة عربية منفردة : إلى أين يتجه الوطن العربي ومقترباته الاستراتيجية ؟ ..
ينطلق حزبنا من قراءة قومية عربية شاملة ومترابطة تسعى إلى التمييز بين الوقائع ودلالاتها والاحتمالات التي تفتحها ، وإلى تشخيص مسؤولية العوامل الداخلية ودور التدخلات الخارجية في تشكيل المشهد ، وغايته تحديد الأخطار المميتة الحالية ، واستشراف الأخطار المعدّة لنا قبل اكتمالها ، وتحديد ما يستطيع العرب فعله لحماية هويتهم القومية ووطنهم وحياة الملايين وحقوقهم ومستقبلهم ، فكيف يفهم الحزب ما يجري ؟ ، وما الموقف المطلوب المنسجم مع مصلحة امتنا العربية ؟ .
أولاً : ليس ثمة شك في أن الأقطار العربية في المشرق والمغرب العربي تواجه تحديات تتعدد مظاهرها ، لكنها تلتقي عند استنزاف الدول والمجتمعات ، وصولا لتقسيمها ففي السودان والعراق واليمن ولبنان وسوريا وليبيا وغيرها ، تتداخل الانقسامات الداخلية التي زرعتها قوى خارجية وتحركها مع التدخلات وصراعات النفوذ الإقليمية والدولية ، فتتراجع القدرة على بناء قرار وطني مستقل .
وفي أحداث الجزيرة العربية يبرز السؤال : لماذا تتصاعد حرب اليمن الآن ؟ ، وهل لأمريكا مصلحة في استمرارها وتصاعدها ؟ ، هل تُستخدم الحرب لإتاحة الفرصة لرفع أسعار النفط، نتيجة تعطّل التصدير من الخليج العربي وروسيا ، وهو ما يجعل استثمار النفط الصخري الأمريكي مجديًا اقتصاديًا ؟ ، وهل يهدف تمكين الحوثيين ، من جانب الغرب والصهيونية ، التحكم بمضيق باب المندب، إلى الضغط على السعودية ودفعها إلى التطبيع مع إسرائيل الغربية وتبنّي الإبراهيمية بلا تردد ؟ ، أم أن الأمر يتجاوز ذلك إلى التمهيد لتقسيم السعودية واليمن معًا ؟ .
حزبنا ، وانطلاقاً من موقفه الاستراتيجي ، يؤكد أن الصراع الحالي يختلف عن الصراعات السابقة بين السعودية واليمن وداخل اليمن ، لأن الخطر على السعودية أخذ يتجاوز الإنهاك والاستنزاف وزرع وتنمية العداوات مع اليمن ، وأصبح يهدد جديًا بقاء الكيانين الوطنيين السعودي واليمني بصورتهما المعروفة ، ومن هذه الزاوية ننظر إلى مشاريع تقسيم اليمن ، ومنها الطروحات التي تتحدث عن ثلاثة كيانات اتحادية ، وإلى التصورات المتعلقة بتقسيم السعودية إلى كيانات منفصلة ومتناحرة ، ونضعها ضمن سياق أطروحات إعادة رسم المنطقة، وفي مقدمتها مخططا " برنارد لويس " و" عوديد ينون " ، اللذان يستهدفان تقسيم الأقطار العربية على أسس دينية وطائفية وعرقية ، وإحلال هويات ملفّقة محلها باعتبارها بدائل سياسية معاصرة .
وحزبنا يتمسك بصلابة بالدفاع الحاسم وغير المشروط عن وحدة الكيانات الوطنية في المشرق العربي والمغرب العربي ، وترسيخ هويتها العربية ، ويشمل ذلك وحدة اليمن والسعودية وعروبة دول الخليج العربي ، باعتباره واجبًا قوميًّا لا يقبل المساومة ، ولا يجوز إخضاعه لعواطف ثأرية تدفع إلى تقبّل تمزيق قطر عربي انتقامًا من أعمال نظامه السياسي ، فمحور موقفنا الاستراتيجي هو رفض إقامة كيانات طائفية أو عرقية أو جهوية على أنقاض الأقطار القائمة ، لأنها الوحدات الاساسية التي تُبنى عليها الوحدة العربية ، وهي هدفنا المبدئي والاستراتيجي الثابت ، وإذا تمزقت هذه الكيانات إلى كيانات متناحرة ، ضُرب الأساس العملي للوحدة العربية ، وأصبح تحقيقها أشد صعوبة .
ثانيًا : ومن بين اهم التكتيكات المتبعة من قبل الغرب والصهيونية وقوى اقليمية تكتيك سرقة الوقت لأجل ادامة الازمات وتعقيدها ،فقد تتقارب الأطراف العربية المتصارعة ، وتتبلور مواقف مشتركة ، وتلوح بشائر اتفاق حاسم ، فتتفاءل الجماهير باقتراب الحل، ثم تظهر شروط جديدة وتتراجع بعض القوى عن التزاماتها، فتعود الأزمة إلى بدايتها ، وتُضرب الآمال في الصميم ، ويتعمّق اليأس ! ، فهل نحن أمام تكتيك متعمّد لزرع اليأس وتعميقه ، حتى تُدفع الجماهير إلى قبول ما كانت ترفضه ؟ .
يرى حزبنا أن تفسير كل حالة بخلافاتها المحلية وحدها لا يكفي لفهم تكرار هذا المسار ، وأن القوى الخارجية تمثّل العامل الرئيسي في تقلبات القوى وتراجعاتها ، واستثمار التناقضات ، وتعطيل الاتفاقات ، لإبقاء العرب في حالة استنزاف دائم، فاستمرار الصراع ينهك الدولة والمجتمع ، ويعمّق الانقسامات الشعبية ، ويضعف القدرة على اتخاذ قرار مستقل ، حتى تصبح التسوية نفسها خاضعة لإرادة الأطراف الخارجية .
وتقدّم فلسطين المثال الأوضح على تكتيك « سرقة الوقت » المرتبط بسياسات " كيسنجر " ، والممتد في مسار التسويات منذ ما بعد حرب عام ( 1967 ) ، وصدور القرار ( 242 ) وتفسيراته المتعاقبة ، فقد مضت عقود من المفاوضات كان الطرف العربي خلالها يقدّم التنازلات ، بي نما تثبّت إسرائيل مكاسبها ، وتطالب بالمزيد من التراجعات العربية ، بدعم غربي شامل والخريطة الأخيرة التي عرضها " نتنياهو " هي تعبير دقيق عن تعاظم الأطماع وتجاوز حدود التسويات والقرارات الدولية ، بل وتجاوز حدود هدف ( حدودك يا اسرائيل بين الفرات والنيل ) ، ومدها مؤخرا لتشمل اجزاء من الخليج العربي والسعودية .
ويقوم هذا التكتيك على التأكيد أن الحل قريب ، وأن محاولة تفاوض إضافية قد تفضي إلى اتفاق ، فتتعلق أطراف في الحكم أو خارجه بهذا الأمل ، وتتجدد المفاوضات، ثم تتغير الشروط ويتكرر التأجيل . وخلال الزمن المستنزَف ، يتحول التنازل العربي إلى مكسب إسرائيلي نهائي ، ويصبح أساسًا للمطالبة بتنازل جديد ، فتتعطل المبادرة العربية ، وتتآكل أوراق القوة ، وتبقى الحقوق معلّقة بمفاوضات تبدأ ولا تنتهي ! ، وهذا هو تكتيك سرقة الوقت لبناء واقع جديد يُراد جعله غير قابل للتجاوز .
ثالثًا : لا يمكن فهم المشهد العربي بمعزل عن الصراعات الإقليمية والدولية ، وفي مقدمتها الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل الغربية من جهة ، وإسرائيل الشرقية ، أي إيران من جهة أخرى ، والحرب الروسية - الأوكرانية ودور أوروبا وأمريكا فيها ، والتنافس الصيني الأمريكي على قمة الهرم العالمي .
في الصراع الأول يبرز السؤال : هل تستهدف الحرب تقسيم إسرائيل الشرقية ، أم استكمال احتواء نظامها وإدماجه في المنظومة الإقليمية التي تقودها الولايات المتحدة ؟ .
إن المقارنة بالحرب على العراق تطرح سؤالًا جوهريًا : لماذا اتجهت الحرب الأمريكية إلى إسقاط الدولة العراقية وتفكيك مؤسساتها وزرع بذور تقسيمها ، بينما تبدو السياسة تجاه إسرائيل الشرقية أقرب إلى إعادة تشكيل النظام واحتوائه ؟ ، ومن هذه الزاوية يرى حزبنا أن الضربات التي أصابت قيادات النظام الإيراني وهياكله التقليدية جزء من عملية قد تفضي إلى ظهور صيغة جديدة له ، بعد أكثر من أربعة عقود من استمراره ، ونرجّح أن بين القيادات المتبقية أطرافًا تتعاون سرًا مع الولايات المتحدة لاستكمال ترتيبات نظام بديل، يكون أكثر استعدادًا للتفاهم مع أمريكا والصهيونية .
الولايات المتحدة تريد الاحتفاظ بموقع القيادة ، وأن تؤدي إسرائيل الغربية وإسرائيل الشرقية وتركيا أدوارًا تعتمد عليها في إدارة كيانات عربية تابعة ، ولهذا نعتبر الصراع بين الاسرائيليتين وامريكا ثانويًا من حيث موقعه في الاستراتيجية الأوسع. وفي هذا الإطار ، نرى أن استخدام واشنطن قوة محدودة ضد نظام الملالي ، وامتناعها عن توجيه كامل قدرتها نحو إسقاطه ، مع السماح باستمرار منافذ تنفّسه الاقتصادي والسياسي، مؤشرات تنسجم مع خطة إعادة تشكيل دوره .
أما الحرب الروسية الأوكرانية فحزبنا يرى أن السياسة الأمريكية أشعلت الحرب وزجّت أوروبا فيها ، ثم أخذت تتحرك ، في العلاقة بين ترامب وبوتين ، نحو إمكان التفاهم على المصالح وتبادل المنافع وتقاسم المكاسب على حساب أوروبا .
ويأتي صعود الصين ليشكّل عاملًا أساسيًا في إعادة تشكيل العلاقات الدولية ، ويضع التنافس بينها وبين الولايات المتحدة في صلب الصراع على قمة الهرم العالمي ، بالتوازي مع التحولات في علاقات واشنطن بكندا والاتحاد الأوروبي وبريطانيا ، وهذا كله يفرض تجاوز التصورات السابقة ، وإعادة فحص خريطة التحالفات ومصادر القوة ومجالات التعاون .
وبناء على ما تقدم يؤكد حزبنا على ضرورة مدّ الجسور مع كل قوة دولية أو إقليمية تدعم الحقوق العربية ويتيح الاستفادة من تناقضات القوى المتنافسة مع الاحتفاظ باستقلال الموقف العربي .
رابعًا : إن إدراك دور القوى الخارجية في استنزاف الوطن العربي وتفتيته يقتضي أيضًا تشخيص مواطن الضعف الداخلية التي تتيح لها التدخل ، فالاستبداد والفساد وتهميش الجماهير والصراعات على السلطة وإضعاف المؤسسات تفتح منافذ لاستثمار التناقضات وتوجيهها وتتحمل الأنظمة والقوى السياسية مسؤولية قراراتها وأخطائها ، ومدى قدرتها على معالجة الأزمات قبل استغلالها من قبل الآخرين .
ولذلك فإن مواجهة التدخل الخارجي تتطلب إصلاحًا داخليًا حقيقيًا لا مفر منه يعيد الثقة ، ويصون كرامة المواطن وحقوقه ، ويوسّع مشاركته في الدفاع عن وطنه ، فالمجتمع الذي يشعر أفراده بأنهم شركاء فيه أقدر على حماية وحدته ومقاومة اختراقه .
خامسًا : وعلى صعيد الحزب فقد تعرّض الحزب لانقسامات بدت في ظاهرها خلافات داخلية ، غير أن استعراض مسيرته منذ ردة ( 23 شباط 1966 ) حتى اليوم ، يدفعنا إلى وضع هذه الانقسامات أيضًا في سياق خطة استنزاف القوى العربية وتفتيتها، خصوصا انشقاق عام ( 2021 ) الذي زرعته ورسخته زمرة الردة التي تتستر باسم القيادة القومية ، وفي اطار منسجم مع تكتيك استنزاف العرب وتعطيل دورهم النضال فان سلوك بعض العناصر التي ترفع شعار وحدة الحزب ، ثم تتراجع عنه عندما تقترب لحظة تحقيقه ، مثل هذه المواقف لا يستبعد انها تظهر بتأثير نفس القوى التي تمزق الاقطار العربية .
وحزبنا واثق من أن معالجة هذا الوضع تبدأ باستكمال النهوض التنظيمي الذي شهد تموز الماضي نقطة انطلاق جديدة ، بعقد المؤتمر القومي الاستثنائي وانتخاب قيادة قومية جديدة كي تتولى قيادة الحزب بعد ست سنوات من موته السريري المتعمد ، وتمت خطوات تاريخية تتمثل بالاتفاق على توحيد تنظيمات العراق واليمن والسودان وفلسطين وتونس ، وهياكل تنظيمية أخرى قيد اعادة التشكيل في اطار قومي واحد ، وهذه التنظيمات تمثّل الثقل الكمي والنوعي الاساسي للحزب في الوطن العربي .
وتتمثل المهمة الآن في استكمال استقطاب الرفاق الذين ما زالوا خارج الحزب ، فنهوض الأمة يبدأ بنهوض طليعتها ، وتحررها من القيود التي تشل حركتها وتستنزف طاقاتها ، ولا يعني ذلك تأجيل المواجهة إلى حين اكتمال البناء التنظيمي ، فالعمل التنظيمي والسياسي والجماهيري مسارات متلازمة يعزز بعضها بعضًا .
سادسًا : يؤكد حزبنا على أن نهوض الحزب يجب ان يقترن بالتعاون مع بقية القوى العربية التقدمية والوطنية ، لأقامة جبهة وطنية في كل قطر ، وجبهة قومية عريضة على مستوى الوطن العربي ، تضم القوى الوطنية والقومية والتقدمية ويجب أن تجمع الاستراتيجية النضالية بين تحرير الأراضي العربية المحتلة ، وصون الهوية القومية ، وحماية استقلال القرار الوطني ، وتحقيق مكاسب مادية وثقافية للجماهير العربية .
سابعًا : في ضوء ما يراه حزبنا من تخلّي الولايات المتحدة عن دول الخليج العربي ، وخصوصًا السعودية ، تتأكد أمام الأنظمة العربية حقيقة أن الغرب لا يضمن الدفاع عنها مهما قدّمت له من تنازلات ، ويحمل هذا الواقع المستجد إمكانية أن تتراجع هذه الأنظمة ، أو بعضها ، عن سياساتها السابقة ، وتتبنّى استراتيجية لإنقاذ نفسها ، تقوم على تفاهمات مع الأنظمة العربية الأخرى ، والأهم تقديم مكاسب للجماهير تتيح كسب دعمها ، وإقامة علاقات تعاون مع قواها المنظّمة في أحزاب ، وإذا تحقق ذلك فإن الأمة العربية ستصبح أقدر على النهوض ومواجهة التحديات الوجودية بكفاءة تستند إلى دعم جماهيري ثابت في مرحلة تقرير المصير العربي .
ان قوة الأنظمة لا تستمد من السلاح فقط بل تنبثق أساسا من الاستراتيجية الواضحة ووقوف الجماهير معها ، ويتطلب هذا الوقوف ثقة متبادلة وشعورًا بالمشاركة وسياسات تحمي المواطنين وحقوقهم ، وحين تتلاقى أنظمة تدافع عن وطنها ووجودها مع جماهير تدافع عن حقوقها وأمتها ، تتكوّن قوة استراتيجية قادرة على الثبات والنصر ، لأن التلاحم بين الدولة والجماهير يمنح المواجهة سندًا لا توفره صفقات الحماية الخارجية .
وبمواجهة حالات اليأس ورفضها فإن أهم ما يجب الانتباه إليه هو أن العالم يتغير ، وأن أعمدة النظام الدولي القديم تتداعى ، وفي بيئة هذا التغيير العاصف يرى حزبنا أن فرص الخلاص العربي أصبحت أوفر مما كانت عليه ، فالقوة الردعية الغربية والصهيونية تتراجع وتتعزز القوى الصاعدة ويتسع دورها بما يهيئ مجالًا للصمود العربي واختيار موقف مستقل يمثّل مصالح الأمة ، لكن اغتنام هذه الفرصة مشروط بقيام تحالف تاريخي بين القوى الوطنية على امتداد الوطن العربي ، وأنظمة تعيد النظر في مواقفها وتتخلى عن أوهام الاعتماد على الغرب والتطبيع مع الصهيونية ، فاختيار التحالف مع الجماهير وقواها المنظّمة يوفّر قاعدة استناد لا تهتز ولا تتراجع .
وأمام هذا المشهد فإن حزبنا يؤكد بأن الخيار الوحيد المتاح لأمتنا العربية هو استمرار النضال وتعميقه وإقامة التحالفات المطلوبة الضامنة لقوة العرب وحماية مصالحهم .
وانطلاقا من المسؤولية التاريخية لحزبنا فأنه سيبقى الطليعة المضحية من اجل تحقيق تطلعات الجماهير في الحياة الحرة الكريمة والمحافظة على العروبة وثوابتها ، مهما غلت التضحيات ، فلا تراجع ولا الاستسلام بل صمود ونضال واع حتى النصر .
القيادة القومية في 23-10-2026