هل نشهد ولادة نظرية « شد الأطراف » الإيرانية ضد العرب ؟
أفتتاحية جريدة البعث العدد 190 في 19-9-2026
تثير التحولات الأخيرة في السياسة الإيرانية سؤالاً استراتيجياً يتجاوز النظر إلى كل حدث بصورة منفصلة ، هل نحن أمام نمط جيوسياسي متكامل تتحول فيه أطراف الوطن العربي وممراته ومواطن ضعفه إلى أدوات ضغط على قلبه ؟ ، وهل نشهد ولادة ما يمكن تسميته « نظرية شد الأطراف الإيرانية » تجاه العرب ؟ .
تنبع أهمية هذا السؤال من أن إسرائيل طورت منذ الخمسينيات ما عرف بـ« عقيدة الأطراف » ، التي قامت على تجاوز المحيط العربي وبناء علاقات مع القوى غير العربية الواقعة حول الوطن العربي في أسيا وإفريقيا للضغط عليه وموازنة قوته .
وكانت إيران وتركيا وإثيوبيا من أهم مكونات تلك الاستراتيجية ، والمفارقة أن إيران التي كانت أحد أطراف الاستراتيجية الإسرائيلية القديمة تبدو اليوم وكأنها بدأت تعيد إنتاج بعض وظائفها الجيوسياسية لحسابها الخاص ، ويبرز ذلك بوضوح في التوجه الإيراني الأخير نحو تعزيز العلاقة مع إثيوبيا بعد تعذر استمالة مصر إلى الموقف الإيراني في الصراع الجاري ، ولا تكمن أهمية إثيوبيا في كونها دولة أفريقية كبيرة فحسب ، بل في موقعها عند منابع النيل وفي علاقتها المباشرة بأخطر قضايا الأمن المائي لمصر والسودان ، ولذلك فإن تطوير طهران علاقاتها مع أديس أبابا يمنح إيران ، موضوعياً ، ورقة ضغط تقع عند واحدة من أكثر نقاط الضعف الاستراتيجية حساسية بالنسبة إلى دولتين عربيتين مركزيتين .
ولا ينبغي النظر إلى هذا التطور بصورة ميكانيكية منفصلة عن « نظرية شد الأطراف » الإسرائيلية الأصلية ، فالقراءة الديالكتيكية تطرح احتمال أن تكون الوظيفة الجيوسياسية القديمة قد أعادت إنتاج نفسها في ظروف تاريخية جديدة :
إيران التي كانت بالأمس ركناً تستفيد منه إسرائيل في تطويق الوطن العربي ، أصبحت اليوم قوة تستخدم بنفسها علاقاتها مع إثيوبيا وأوراقها الإقليمية للضغط على العرب .
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود تنسيق إيراني - إسرائيلي ، فقد تكون إيران وإسرائيل في حالة صراع حقيقي ، ومع ذلك يمكن أن تؤدي سياسات كل منهما تجاه العرب إلى نتائج موضوعية متقاطعة ، فالتقاء النتائج لا يشترط وجود اتفاق بين الأطراف التي تنتجها . وتزداد أهمية هذه الفرضية عندما نضع إثيوبيا إلى جانب بقية الخريطة ، فبعد توقف جولة تبادل الضربات المباشرة بين إيران وإسرائيل ، تركزت الضربات والتهديدات الإيرانية في المجال الخليجي ، ولم تقتصر على القواعد الأمريكية ، بل طالت أو هددت مصالح ومنشآت تخص الدول العربية نفسها،وفي الجنوب أصبح الحوثيون ، الاداة الايرانية في اليمن ، قوة مؤثرة في البحر الأحمر ومقتربات باب المندب .
وعندما تجمع هذه العناصر على خريطة واحدة يظهر قوس جيوسياسي يستحق الدراسة :
إثيوبيا ومنابع النيل ، مصر والسودان ، البحر الأحمر، اليمن وباب المندب ، الجزيرة العربية، ثم الخليج العربي .
وهنا ، يصبح السؤال أكبر من تفسير كل حالة على حدة :
هل تتحول نقاط الضعف والممرات الاستراتيجية المحيطة بالوطن العربي إلى شبكة مترابطة من أدوات الضغط عليه ؟ ..
إن هذه المؤشرات قد لا تكفي وحدها لإصدار حكم نهائي ، لكنها تبرر طرح فرضية تحتاج إلى بحث موسع :
هل تحولت إيران من طرف في نظرية شد الأطراف الإسرائيلية القديمة إلى منتج لنسخة إيرانية منها ، فإذا أثبتت الوقائع صحة هذه الفرضية ، ولو جزئياً ، فإننا نكون أمام تحول استراتيجي مهم : تغيرت العلاقات والتحالفات ، وانتقلت إيران وإسرائيل من التعاون إلى الصراع ، لكن المجال العربي بقي في الحالتين هو المجال الذي يقع عليه الضغط ، وحول معاداته تبرز القواسم المشتركة بينهما .
ومن هنا ، فإن القضية لا تتعلق بما تقوله إيران أو إسرائيل عن بعضها ، بل بالنتائج الفعلية لسياساتهما ، والسؤال الذي يستحق البحث هو :
هل نشهد إعادة إنتاج لجوهر « نظرية شد الأطراف » في صورة إيرانية جديدة ، تستخدم أطراف الوطن العربي وممراته ومواطن ضعفه للضغط على قلبه ، تماما كما تفعل إسرائيل ؟ ...
هيئة تحرير البعث