ماذا سيتغير في أمريكا بعد سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس ؟

Published on November 5, 2026 at 12:07 PM

                        تعميم صادر عن مكتب الثقافة والاعلام  القومي :           

                  ماذا سيتغير في أمريكا بعد سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس ؟

يفتح فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلسَي النواب والشيوخ مرحلة جديدة من الصراع على إدارة السياسة الأمريكية خلال ما تبقى من رئاسة " دونالد ترامب " ، وتمتد نتائج هذا التحول من العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس إلى مستقبل الحزب الجمهوري ، والسياسة تجاه إسرائيل وإيران وروسيا وأوكرانيا ، والعلاقات مع الاتحاد الأوروبي وكندا وبريطانيا ودول الخليج العربي ، وخصوصاً السعودية .

تتمثل الفرضية الرئيسية في أن ترامب سيصبح أكثر تعرضاً للقيود البرلمانية والسياسية ، بينما قد تدفعه هذه القيود إلى تصعيد المواجهة الداخلية أو البحث عن مبادرات خارجية يستعيد بها زمام المبادرة ، وهذان المساران قابلان للتزامن : يمكن أن تضيق قدرته على تنفيذ مشروعات طويلة الأمد ، وتزداد في الوقت نفسه رغبته في اتخاذ خطوات سريعة تفرض أمراً واقعاً ،وتعتمد هذه النظرة على التمييز بين الوقائع الموثقة والمؤشرات السياسية ، والاستنتاجات المرجحة والسيناريوهات الممكنة ، ولا تساوي بين احتمال يستحق الانتباه ونتيجة حتمية ، كما تميز بين صدور تصريح سياسي وتنفيذ سياسة مؤسسية ، وبين خسارة التأييد الشعبي وفقدان القدرة على التأثير في القرار .

 انتقال الأغلبية وحدود سلطة الكونغرس الجديد : يبدأ الأثر السياسي للنتائج فور ظهورها ، لكن انتقال السلطة البرلمانية يتم مع بدء ولاية الكونغرس الجديد في ٣ يناير/كانون الثاني ٢٠٢٧ ، وحتى ذلك الموعد ، تظل التركيبة الحالية صاحبة الصلاحيات الدستورية ، ولذلك ينبغي التمييز بين ضعف مكانة ترامب الانتخابية منذ الآن وتغير أدوات الرقابة والتشريع فعلياً في يناير .

ستمنح الأغلبية الجديدة الديمقراطيين قيادة اللجان وقدرة على فتح التحقيقات وعقد جلسات الاستماع وطلب الوثائق واستدعاء المسؤولين وفق الإجراءات القانونية ، وستزيد قدرتهم على تعطيل التشريعات واستخدام مفاوضات التمويل لانتزاع تنازلات ، وتضيف السيطرة على الشيوخ سلطة مؤثرة في الموافقة على التعيينات الجديدة التي تتطلب موافقته ، ومنها مناصب دبلوماسية وأمنية .

ومع ذلك لا تنتقل إدارة السياسة الخارجية إلى الكونغرس بمجرد تغير أغلبيته ، يبقى الرئيس صاحب صلاحيات تنفيذية ودبلوماسية وعسكرية واسعة ضمن الحدود القانونية ويمكنه استخدام صلاحيات قائمة حتى إذا تعذر عليه الحصول على تفويضات جديدة ، ويظهر هنا فرق حاسم بين منع ترامب من الحصول على تشريع أو تمويل جديد ، وإجباره على إلغاء إجراء يستطيع مواصلته بقانون قائم ، الأولى أسهل نسبياً ، أما الثانية فقد تحتاج إلى قانون يملك الرئيس حق نقضه ، ويتطلب تجاوز الفيتو ثلثي الأصوات في المجلسين ، ومن ثم فإن الأغلبية العادية لا تكفي لفرض برنامج ديمقراطي كامل على الرئيس .

أما إجراءات الاتهام والعزل ، فيجب الفصل بين مرحلتيها : يستطيع مجلس النواب إقرار مواد الاتهام بأغلبية بسيطة ، لكن الإدانة المؤدية إلى العزل تحتاج إلى ثلثي أعضاء الشيوخ الحاضرين ، أي ٦٧ صوتاً إذا حضر الأعضاء المئة ، لذلك يتطلب إبعاد ترامب انشقاقاً جمهورياً واسعاً ، ولا ينتج تلقائياً من فوز الديمقراطيين .

 طبيعة المواجهة المقبلة وأثر أسلوب ترامب : برز في النقاش تقدير بأن المدة المتبقية من رئاسة ترامب قد تشهد احتداماً استثنائياً بينه وبين الديمقراطيين وبعض الجمهوريين ، وما يصاحبه من ارتباك في السياسة الأمريكية وصراع بين الإدارة والكونغرس ، وهو احتمال جدي ، فقد تقود بعض المواجهات إلى تسويات ، أو إلى حدود أوضح لحرية الرئيس في التصرف ، ويزيد أسلوب ترامب الشخصي وتقلب مواقفه من صعوبة توقع قراراته ، غير أن تحليل شخصيته وحدها لا يكفي ، فمصالح النواب والمانحين والناخبين وكلفة القرارات وموازين المؤسسات كلها  تؤثر في مساحة حركته، يمكن أن يؤثر المزاج في توقيت الرد وشدته ، بينما تحدد هذه المصالح إلى أي مدى يستطيع الاستمرار فيه .

والسيناريو المرجح هو مواجهة انتقائية : تحقيقات وخلافات علنية حادة ، تتخللها تسويات على التمويل وبعض الملفات ، فلا الانسجام الشامل مضمون ، ولا الشلل الكامل هو النتيجة الوحيدة .

وقد يتجه ترامب إلى المجالات التي يملك فيها هامشاً تنفيذياً أوسع ، مستخدماً الدبلوماسية والإجراءات الاقتصادية وبعض القرارات العسكرية لاستعادة المبادرة ، لكن أي تصعيد يؤدي إلى خسائر أو ارتفاع أسعار أو طلب تمويل جديد قد يعمق ضعفه الداخلي ، لذلك لا تعني الهزيمة الانتخابية تلقائياً اندفاعاً إلى حرب جديدة كما لا تضمن الاعتدال ، وفي هذا السياق صدر عن ترامب ماعده البعض تهديداً ، إذ قال في ٤ تشرين الثاني - نوفمبر : إن السعي إلى عزله سيدمر الحزب الديمقراطي، أي توقع ارتداد المحاولة على أصحابه سياسياً، يبقى ذلك خطاباً تصعيدياً لكنه لا يثبت بمفرده أنه توعد بتنفيذ إجراء لتدمير الحزب .

الحزب الجمهوري بين الاستقلال المؤسسي والارتباط بترامب : السؤال المحوري هو مقدار استقلال الحزب الجمهوري عن ترامب، وقدرته على وضع حدود له عندما تتعارض خياراته مع مستقبله، وقد انطلق السؤال من ملاحظة أن ترامب وصل إلى قيادة الحزب من خارج قيادته التقليدية، وأن تحفظات قطاعات من تلك القيادة لم تمنع اتساع سيطرته السياسية عليه ! ، ويطرح ذلك سؤالاً عن حدود الثوابت المشتركة داخل الحزب مقابل الولاء لشخص الرئيس .

ولا ينحصر الأمر في خيارين هما حزب موحد خلف ترامب أو انشقاق تنظيمي كامل، قد يحتفظ الجمهوريون بوحدة الحزب مع اختلافهم في ترتيب الأولويات : يعارض بعضهم الرئيس في التجارة أو التحالفات، ويؤيده في الضرائب أو القضاء أو الهجرة ، ولهذا لا يكفي بقاؤهم داخل التنظيم لإثبات الاتفاق، ولا يكفي النقد الكلامي لإثبات الاستقلال .

وتشير التقارير الأولية إلى اضطراب القيادة بعد الهزيمة، نقلت أسوشيتد برس أن " مايك جونسون " لن يسعى إلى الاستمرار في قيادة جمهوريي مجلس النواب، وفق مصدرين مطلعين، وفي المقابل، أعلن " جون ثون " عزمه الترشح لقيادة الأقلية في الشيوخ، تكشف هذه المؤشرات اختلاف وتيرة التغيير بين المجلسين، لكنها لا تحسم اتجاه المراجعة: فقد يُحمّل القادة البرلمانيون المسؤولية لحماية ترامب، أو يتحول الخلاف إلى مساءلة خياراته .

ويمكن أن يتدرج التصدع في ثلاث مراحل تبدأ الأولى بالتنصل من مسؤولية النتائج وحماية المواقع دون تحدّ مباشر للرئيس، وتتمثل الثانية في استقلال عملي بملفات محددة، مثل تقييد التمويل أو دعم تحقيق أو رفض تعيين، أما الثالثة فهي نشوء كتلة مستمرة تتحدى قيادته وتطرح برنامجاً ومرشحين لمرحلة ما بعده ، وتواجه المرحلة الثالثة عقبة البديل : يحتاج المعترضون إلى قيادة تستطيع الاحتفاظ بجزء معتبر من ناخبي ترامب، وقد يخشى سياسي أن يؤدي اعتراضه إلى خسارة ترشيح الحزب أمام منافس يؤيده الرئيس، بينما يدرك آخر أن الولاء لترامب يساعده في الانتخابات التمهيدية ويضر به أمام عموم الناخبين، ويشكل التعارض بين متطلبات الترشيح ومتطلبات الفوز العام مصدراً محتملاً لأزمة الحزب .

وهناك احتمال معاكس يجب الاحتفاظ به: قد تؤدي الهزيمة إلى خروج بعض الجمهوريين الأكثر استقلالاً وبقاء ممثلي الدوائر الأشد ولاءً لترامب، فيضعف الحزب انتخابياً وتزداد نسبة الموالين داخل كتلته الباقية، ولذلك لا يكفي حجم الخسارة لمعرفة اتجاهه بل يجب فحص هوية الخاسرين والباقين.ويبقى الاختبار الحاسم هو التصويت المتكرر الذي يفرض كلفة على ترامب: طلب وثائق يعارض كشفها، أو تقييد قرار خارجي، أو رفض تعيين يصر عليه، وقد يقيّده ذلك بشدة دون انشقاق رسمي، أما القطيعة الأوسع فترتبط بظهور بديل مقنع، وبما إذا كان الرئيس سيعدل خياراته أو يلزم الجمهوريين بالدفاع عن قرارات جديدة مكلفة .

التحول الشعبي تجاه إسرائيل وآيباك والجامعات : يتداخل الصراع على سلطة ترامب مع تحول في الرأي العام تجاه إسرائيلن فقد أظهر استطلاع بيو المنشور في أبريل/نيسان ٢٠٢٦ أن ٦٠٪ من الأمريكيين ينظرون إلى إسرائيل سلبياً، مقابل ٤٢٪ في ٢٠٢٢. وبلغت النسبة ٨٠٪ بين الديمقراطيين والمائلين إليهم، و٥٧٪ بين الجمهوريين والمائلين إليهم ممن تقل أعمارهم عن خمسين عاماً، مع بقاء أغلبية الجمهوريين إجمالاً إيجابية تجاه إسرائيل.[٨] ، وفي فبراير/شباط ٢٠٢٦، أظهر غالوب تعاطف ٤١٪ مع الفلسطينيين مقابل ٣٦٪ مع الإسرائيليين، الفارق بين النسبتين غير دال إحصائياً بحسب المؤسسة، لكن انتهاء التفوق الإسرائيلي المعتاد في هذا المقياس تحول مهم جدا، وتبين السلسلة أن التغير بدأ قبل طوفان الأقصى في ٧ أكتوبر/تشرين الأول ٢٠٢٣، ما يرجح قراءة الحرب وتداعياتها عوامل تسريع لتحول سابق.

وقد وصف هذا المسار بأنه يقترب من انقلاب شعبي على إسرائيل وآيباك،وللدقة ينبغي ملاحظة ثلاثة مستويات : تراجع صورة إسرائيل، وتراجع نفوذ آيباك، وتغير قرارات الدولة. فالاستطلاع عن إسرائيل لا يقيس مباشرة الموقف من آيباك، ولا يثبت وحده انهيار قدرتها على التأثير في الترشيحات والتمويل، وقد يستمر النفوذ التنظيمي بعد تراجع القبول الشعبي،وتكتسب الجامعات، وخصوصاً المؤسسات التي تسهم في تكوين النخب، أهمية بعيدة المدى، فإذا استمر التحول بين الطلاب والخريجين وانتقل معهم إلى السياسة والإعلام والقانون والإدارة، فقد تتغير طريقة تعريف المصالح الأمريكية وعلاقتها بإسرائيل، وهذه آلية محتملة لتغير النخب عبر سنوات.

كما ينبغي فصل مواقف الطلاب والأساتذة والإدارات ومجالس الأمناء والمانحين، فالجامعة ليست كتلة سياسية واحدة، ولا يمثل المحتجون جميع طلابها تلقائياً، وتتحدد استدامة التحول بقدرة منتقدي الدعم غير المشروط على الفوز والاستمرار، وبالتصويت على التمويل والتسليح، وبالصمود أمام الضغوط الانتخابية.

وقد يلتقي ديمقراطيون وجمهوريون في تقييد سياسة تجاه إسرائيل أو إيران مع اختلاف دوافعهم : حقوق الفلسطينيين، أو رفض الحروب الخارجية، أو كلفة الدعم، أو حماية التحالفات، ويمكن لهذا الالتقاء تعطيل قرار محدد دون ضمان الاتفاق على بديل شامل.

العلاقات مع أوروبا وكندا وبريطانيا والخليج العربي :من المرجح أن يزداد الضغط لإصلاح التنسيق مع الحلفاء، لكن العودة إلى العلاقات التقليدية لن تكون تلقائية أو متطابقة في جميع الملفات، فبعض الخلافات يتجاوز أسلوب ترامب إلى المنافسة الاقتصادية والإنفاق الدفاعي وتقاسم الأعباء،بالنسبة للحلفاء لامريكا  تقليديا والذين تعرضوا لهجمات ترامب ستجري  طمأنتهم وتحسين التنسيق الأطلسي، ودعم أمن أوروبا وأوكرانيا، ولكن ستستمر الخلافات التجارية والصناعية والإنفاق الدفاعي، وتفاوت المواقف بين الدول الأوروبية.

اما مع كندا فسيخفض التصعيد وحماية الترابط التجاري والأمني معها، مع إمكان استمرار استخدام التجارة والحدود أدوات ضغط على الحلفاء ضمن الصلاحيات القانونية. وبخصوص بريطانيا سيتم تثبيت التعاون الأمني والاستخباري والعسكري وتخفيف التوتر السياسي. تبقى دول الخليج العربي، وخصوصاً السعودية  سيستمر الاهتمام بالأمن والطاقة والاستثمار، مع رقابة أشد محتملة على التسليح والالتزامات والصفقات ذات المصالح الخاصة،  واستمرار التعاون مع صعوبة بعض الصفقات، واختلاف العلاقة من دولة خليجية إلى أخرى.

اما عن  إيران سيبقى الضغط نحو تقييد الحرب وكلفتها وإيجاد مخرج دبلوماسي،مع عدم مساواة رفض الحرب بقبول البرنامج النووي أو السياسات الإقليمية الإيرانية، وإمكان الجمع بين التفاوض والعقوبات.

ويبدو احتمال التقارب بين الحزبين على طمأنة أوروبا وكندا وبريطانيا أكبر من احتمال اتفاقهما على جميع شروط العلاقة مع السعودية أو إيران، وقد تعني العودة إلى الأسلوب المؤسسي في الحالة السعودية تعاوناً مستمراً مع شروط أشد لبعض الصفقات، وفي الحالة الإيرانية قد تعني التفاوض والاحتواء، دون تحول إلى تحالف.وتشمل النتائج الثانوية احتمال تأجيل حكومات أجنبية تقديم تنازلات لترامب انتظاراً لاتضاح ميزان القوى، وتوسيع اتصالاتها بالكونغرس، وطلب ضمانات أكثر ثباتاً من التفاهمات الشخصية، وفي الاتجاه المقابل، قد يسارع ترامب إلى إتمام اتفاقات قبل انتقال الأغلبية.

 روسيا وأوكرانيا وصدقية تفاهمات ترامب : سيزداد احتمالات الضغط على ترامب لتقريب سياسته تجاه روسيا والحرب الأوكرانية من توجهات الحلفاء الأوروبيين، وخصوصاً إذا اجتمع الديمقراطيون مع جمهوريين مؤيدين لدعم كييف أو للتشدد مع موسكو، لكن المواقف الأوروبية نفسها متفاوتة في شروط التسوية وحجم الدعم والمخاطر المقبولة.ويجب الفصل بين رغبة ترامب في التفاهم مع روسيا وقدرته على تنفيذ التعهدات، فبعض الخطوات يحتاج إلى تمويل أو تشريع أو تعاون مؤسسات أخرى، وينص القانون الأمريكي على مراجعة الكونغرس لبعض إجراءات إنهاء العقوبات على روسيا أو تخفيفها، ما يحد من حرية التصرف المنفرد في هذه الملفات.

ومن ثم قد تعيد موسكو حساباتها قبل حصول تراجع أمريكي فعلي، عندما تشك في قدرة ترامب على الوفاء بالتزاماته، وستقيس قيمة أي تفاهم بما يستطيع تنفيذه الآن، وما يمكن للكونغرس تعطيله، ومدى استمراره بعد انتهاء رئاسته، وكلما اتسعت الفجوة بين الوعد والقدرة، قل استعدادها لتنازلات يصعب الرجوع عنها مقابل مكاسب مؤقتة.

ولا يقتضي ذلك ابتعاد روسيا عنه بالضرورة. فقد تسعى إلى تسريع تفاهم محدود، أو تشترط خطوات متبادلة وملموسة، أو تماطل وتحتفظ بقنوات الاتصال مع تعزيز أوراقها الأخرى، ويمكنها الجمع بين هذه الخيارات بحسب الملف.

ولذلك من الممكن إعادة تقييم تفاهمات قائمة أو محتملة، دون افتراض وجود اتفاق شامل أو معرفة بنود غير معلنة، وقد يغير ترامب إجراءات معينة تحت الضغط ويحتفظ بخطابه وقنواته مع بوتين، فتبدو السياسة الأمريكية متنازعة الاتجاهات بدلاً من انعطاف موحد،وقد تكون أول خسائره أمام موسكو تراجع صدقية تعهداته، قبل تراجع سياسته نفسها، ويمكن أن يدفعه ذلك إلى تسوية أقرب لمطالب الحلفاء، أو إلى اتفاق سريع يحاول به إثبات استقلاله عن الكونغرس.

 تصريحات فانس وترامب عن الحرب مع إيران: كتب فانس في ٤ نوفمبر أن الحرب سبب الخسارة، وتساءل عن استحقاقها الكلفة الانتخابية، واعتبر نصيحة سابقة بإنهائها سليمة. أما ترامب فأقر بتأثيرها، لكنه استمر في الدفاع عن قرار إطلاقها، ويعني هذا أن الاعتراف بالكلفة السياسية لا يساوي الاتفاق على خطأ الحرب أو الالتزام بإنهائها.وتحتاج العلاقة السببية بين الحرب والهزيمة الانتخابية إلى قدر من التفصيل، ففي بيانات استطلاع الناخبين الأولية لدى إيه بي سي، وصف ٣٤٪ الحرب بأنها عامل حاسم، مقابل ٤٩٪ لتكاليف المعيشة و٥٥٪ للفساد الحكومي. وهذه إجابات عن عوامل قد تتداخل، وليست أسباباً منفصلة يمكن جمع نسبها، وقد يعاقب الناخب الإدارة على أسعار ساهمت الحرب في رفعها، ولذلك لا يكفي تصريح فانس لإثبات أنها السبب الوحيد.

ويشكل كلامه مؤشراً إلى أن الجدل حول جدوى الحرب دخل علناً إلى قيادة الإدارة، وقد يعكس استعداداً لدى فانس لبناء موقع مستقل لمرحلة ما بعد ترامب أو انتخابات ٢٠٢٨.ونقلت تقارير منشورة بعد الانتخابات أن قيادات ديمقراطية كانت قد تعهدت بالسعي إلى قطع تمويل الحرب إذا استعادت الأغلبية، وهذا يعزز توقع الصراع على التمويل، لكنه لا يجعل التعهد قيداً نافذاً قبل إقراره، ولا يساوي معارضة الحرب بقبول سياسات إيران.

وسيكون تأييد فانس لتوسع جديد في الحرب أصعب سياسياً بعد تحميل الحرب مسؤولية الهزيمة، ما لم يقدم تفسيراً يقنع به أنصاره، وقد يستخدم الديمقراطيون وجمهوريون معترضون كلامه للضغط من أجل إنهاء الحرب أو تقييدها، غير أن رويترز نقلت أن تجدد العمليات الكبرى ظل قيد النظر، ما يؤكد أن الاعتراف بالكلفة لم يتحول بعد إلى إغلاق نهائي لخيار التصعيد.

إعلان وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل : أعلن ترامب صباح ٣ نوفمبر، قبل ظهور النتائج، أنه اتفق مع نتنياهو على إنهاء مساعدات عسكرية سنوية وصفها بأربعة مليارات دولار بحلول نهاية ٢٠٢٦، مبرراً ذلك بأن إسرائيل لم تعد تحتاج إليها، ومشيراً إلى الكلفة السياسية للدعم. ولم يحدد البرامج المشمولة أو آلية الإنهاء. [١٣]وخبر الإعلان صحيح، لكن تنفيذ وقف شامل للمساعدات لم يثبت بهذه التصريحات. أوضحت أسوشيتد برس أن التنفيذ السريع يواجه عقبات وأن للكونغرس دوراً كبيراً، وأن التفاهم القائم يمتد إلى ٢٠٢٨. كما نقلت استمرار بيع السلاح لإسرائيل. وبالتالي لا يساوي إنهاء التمويل، إن تحقق، حظر التسليح أو إنهاء التحالف.

وتكمن الدلالة السياسية في طرح كلفة الدعم داخل قيادة الإدارة على انها مشكلة داخلية وانتخابية، غير أن تبرير ترامب بغنى إسرائيل يتيح تعديل التمويل مع الاحتفاظ بالعلاقة الاستراتيجية، وقد تنتقل بعض صور التعاون من المنح إلى المشتريات والشراكات الدفاعية، بحسب ترتيبات التنفيذ.وهذا يفتح احتمال إعادة تعريف العلاقة دون الجزم بانتهاء الاعتماد الاستراتيجي أو انهيار النفوذ الإسرائيلي بشكل كامل. ولا يستقيم قياس التحول بمبلغ مالي منفرد، بل بمجموع التسليح والتعاون العسكري والاستخباري والمواقف السياسية والالتزامات الفعلية.

فرضية مهلة الأسابيع الثمانية قبل يناير:طُرح رأي مفاده أن الديمقراطيين قد يسمحون لترامب بالتحرك ضد إيران، شريطة إنهاء الحرب قبل أداء الأعضاء الجدد اليمين في يناير، ويحتوي هذا الرأي على ملاحظة زمنية صحيحة، لكنه يضيف إليها افتراضاً سياسياً غير مثبت، فمن ٥ نوفمبر إلى ٣ يناير نحو ٥٩ يوماً، أي ما يزيد قليلاً على ثمانية أسابيع. وتبقى التركيبة البرلمانية الحالية خلال الفترة الانتقالية، وقد يعتقد ترامب أنها مساحة أنسب للتحرك قبل تشدد الرقابة، لكن ضعف قدرة الأغلبية المقبلة على التدخل الآن لا يساوي موافقتها، ولا يثبت وجود إذن مشروط بالحرب.ولم يظهر ما يثبت اتفاقاً ديمقراطياً يمنحه هذه المهلةن لذلك يصح الاحتفاظ بالفكرة كسيناريو لاستغلال الفترة الانتقالية، مع عدم تقديمها كتفاهم مؤكد.

كما تختلف هذه الفترة عن الستين يوماً في قانون صلاحيات الحرب للرئيس، فالقانون يضع في الحالات المشمولة التزاماً بإنهاء استخدام القوات بعد ستين يوماً من تقديم التقرير المطلوب أو وجوب تقديمه، ما لم يوجد تفويض أو استثناء محدد، مع إمكان تمديد محدود بشروط للانسحاب، وهو لا يمنح الرئيس تفويضاً مفتوحاً لأي حرب، ولا يبدأ حسابه من الانتخابات، ولا يتجدد بتغير الكونغرس. وقد تشجع الفترة هذه ترامب على محاولة تحقيق نتيجة سريعة وتقديمها كأمر واقع أو نجاح يعوض الهزيمة، لاجل تعزيز دور الحزب الجمهوري، وفي المقابل قد تردعه خشية وصول عملية متعثرة إلى يناير/ كانون الثاني،حين تجتمع الكلفة العسكرية والاقتصادية مع تحقيقات وضغوط أشد.

والأهم أن الرئيس يستطيع تحديد بدء هجوم، لكنه لا يضمن منفرداً انتهاء الصراع، فإعلان انتهاء العمليات الأمريكية لا يمنع الرد الإيراني أو استمرار الاشتباكات أو الأخطار على القوات والملاحة، ويحتاج افتراض الحسم في ثمانية أسابيع إلى تقدير أهداف العملية وقدرات الأطراف وردودها، لا إلى الحساب الزمني وحده،ولا يجبر ٣ يناير  ترامب تلقائياً على وقف القتال، كما لا يجعل ما قبله مرحلة خالية من القيود، إنه يغير ميزان الضغط والرقابة، وقد يستخدم ترامب المدة نفسها لبلوغ تسوية سريعة يسوقها بوصفها نجاحاً.

السيناريوهات والمؤشرات التي تحسم اتجاه المرحلة:تتجمع الاحتمالات في أربعة مسارات قد تتداخل، الأول مواجهة داخلية حادة مع تسويات محدودة تحفظ تشغيل الدولة، والثاني تعديل انتقائي للسياسة الخارجية، تحت ضغط الأغلبية الجديدة وبعض الجمهوريين، مع استمرار خطاب ترامب التصعيدي، والثالث محاولة فرض أمر واقع خارجي قبل يناير/كانون الثاني أو بعده باستخدام الصلاحيات المتاحة، والرابع تسريع تفاهمات مع خصوم أو حلفاء لتثبيت إنجاز قبل اشتداد القيود.

ويظل تماسك الجمهوريين أو اتساع استقلالهم متغيراً مركزياً: فإذا تحولت الاعتراضات إلى أصوات منتظمة تعبر خطوط الحزب، ازدادت قدرة الكونغرس على فرض مراجعات ثابتة، وإذا بقيت الكتلة متماسكة خلف ترامب، فسيواجه قيوداً في التشريع والتمويل مع احتفاظه بمساحة كبيرة للمبادرة.وتشمل مؤشرات المتابعة: نتائج انتخابات القيادة الجمهورية، وهوية النواب المتحالفين عبر الحزبين، والتصويت على الحرب والتمويل والتعيينات، وصدور ترتيبات رسمية للمساعدات الإسرائيلية، والتغير الفعلي في العمليات تجاه إيران، وخطوات العقوبات ودعم أوكرانيا، واستجابة الحكومات الأجنبية للتعهدات الأمريكية.

وتكشف هذه المؤشرات أيضاً ما إذا كان التحول الشعبي الكبير ضد إسرائيل ينتقل إلى القرار، وقد يصبح الدعم غير المشروط لاسرائيل أكثر كلفة انتخابياً دون أن ينتهي التعاون الاستراتيجي، وبالمثل قد تخسر تفاهمات ترامب مع روسيا صدقيتها دون أن تتوقف اتصالاته بموسكو.

إن المرحلة المقبلة تضع الولايات المتحدة أمام اختبار مزدوج: قدرة المؤسسات على تقييد قرارات الرئيس، وقدرة الحزب الجمهوري على إعادة تقدير مصالحه بعد الهزيمة، وتبقى درجة الاضطراب أو التسوية مرتبطة بالطريقة التي سيستجيب بها ترامب لهذه القيود، وبمدى استعداد الجمهوريين لتحمل كلفة الدفاع عنه أو كلفة الاستقلال عنه.

موقف حزب البعث العربي الاشتراكي  :  في ضوء ما تقدم من شرح لكافة أوجه التطور الأخير في الولايات المتحدة الأمريكية ،على المستويات القانونية والسياسية والاستراتيجية والحزبية، فإن النتيجة التي نخرج بها هي أن الولايات المتحدة ليست دولة فرد يقرر ما يجب وما لا يجب في السياسات الداخلية أو الخارجية ، وإنما هناك دستور وقوانين ومؤسسات مثل الكونجرس والقضاء تحدد صلاحية ودور كل طرف من هذه الاطراف، لذلك فإن السياسة الأمريكية المعادية للعرب لم تبدأ مع ترامب بل كانت استمرارا للإدارات السابقة.

 مع الأخذ بنظر الاعتبار أن ترامب سجل على نفسه إنه الرئيس الأمريكي الأشد عداء للعرب ودعما لإسرائيل، انطلاقا من مصالحه الخاصة بالدرجة الأولى، مثلما سجل ان ترامب هو الأكثر انفلاتا من بين كل رؤوساء امريكا حتى أنه انفلت من الدستور الأمريكي والقوانين الأمريكية ومن القانون الدولي والأعراف والتقاليد والقيم الإنسانية، فقد مارس اللصوصية علنا، وبلا تردد، وكان الرؤساء قبله يغلفون أهدافهم اللصوصية الإمبريالية بأغطية حقوق الإنسان والديمقراطية وغيرها، أما ترامب فقد نزع الغطاء وتصرف طبقا لدافعين مترابطين: الدافع الاول الاستيلاء الاستيلاء على ثروات الآخرين لدعم الاقتصاد الأمريكي المتدهور، أما الدافع الثاني فهو تحقيق فائدة له ولعائلته.

ومن يعتقد بأن النفوذ الإسرائيلي قد انتهى في أمريكا واهم، نعم لقد تراجع بحجم هائل لم يسبق له مثيل ،وأصبحت الأغلبية معادية لسياسات الاسرائيليه، ولكن ليس لإسرائيل بذاتها، وهذا لا يعني تلقائيا انتهاء التأثير الإسرائيلي على أمريكا بل إن قدرتها على التأثير ما زالت باقية وقوية، وتعمل بكل الطرق الآن لاستعادة سيطرتها لكن ذلك هدف صعب للغاية، اذ انها لن تستطيع استعادة سيطرتها التامة على الكونجرس وعلى الرأي العام وعلى الإعلام في أمريكا، فهذه مرحلة انتهت ولن تعود لاعتبارات تتعلق بقدرات أمريكا ومستوى تدهور نظامها الرأسمالي واختناقاتها الاقتصادية والعسكرية والنفسية والاجتماعية، وما كشف من فضائح الرشا لاعضاء الكونغرس وغيرهم والتي تقدمها منظمة ايباك واسرائيل .

من هنا فإن حزبنا يرى أن ما جرى في أمريكا أظهر ضعفا متزايدا في قدرة أمريكا على ممارسة نفس الأساليب العسكرية العدوانية السابقة، وقد بدأت ملامح هذا الضعف الشديد عند غزو العراق حيث أجبرتها المقاومة العراقية على الانسحاب العسكري من العراق وتسليم العراق لإيران لإكمال المهمة، وكان المنجز الأعظم للمقاومة العراقية الكشف الواضح عن القدرات المتردية للمعنويات الأمريكية،وعدم تحول التفوق العسكري والتكنولوجي والاقتصادي لأميركا إلى قوة منتصرة، فالانتصار مشروط بوجود معنويات لدى الجيش وفي الحالة التي يفتقر فيها إلى المعنويات القوية تحيّد فعالية أغلب أسلحته ويتجه حتما للهزيمة.

وإشارة إلى الكوارث التي ألحقتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وإيران بالأمة العربية، خصوصا بالعراق وسوريا واليمن والسودان وليبيا ولبنان، إضافة لزرع مقدمات كوارث في بقية الأقطار العربية، فإن حزبنا ينظر إلى نتائج الانتخابات على أنها لن تغير جذريا سياسات أمريكا تجاه العرب، وإن كانت أضعفت قدرتها على مواصلة نفس السياسات السابقة في الاحتلال والغزو، ويترتب على هذه الحقيقة أن بإمكان الجماهير العربية عندما تتحد في جبهات وطنية في كل قطر، وجبهة قومية على المستوى العربي تستطيع التأثير الحاسم على المدى البعيد.

 وإذا أضيف إليها استيعاب الأنظمة العربية، أو بعضها على الأقل، الدروس المستخلصة من التطورات في ال20 سنة الماضية على الأقل واتخذت المواقف المطلوبة للدفاع عن نفسها،قبل الدفاع عن الأمة العربية،فإن قدرة العرب على النهوض تزداد وتتعمق، وبالمقابل تتراجع قدرة إسرائيل وأميركا وإيران على تشكيل تهديدات مصيرية على الأمة العربية وبنفس القوة التي نراها الان.

فإلى التضامن والوحدة، على أن تبدأ بالجماهير، وتنتهي بالتحاق انظمة عربية تمتلك الجرأة والشجاعة على التراجع عن سياساتها المدمرة التي اتبعتها طوال العقود الماضية.

مكتب. الثقافة والاعلام. القومي

5/11/2026