أفتتاحية جريدة البعث العدد 195 في 24-10-2026
هولوكوست السودان !
من يتابع تطورات الحرب المدمرة في السودان ، بين حكومة " عبد الفتاح البرهان " وقوات الدعم السريع بقيادة " حميدتي " ، لا يرى فيها حربًا أهلية داخلية بقدر ما يرى حربًا بالنيابة ، فهي تؤدي إلى مقتل عشرات الآلاف من السودانيين الأبرياء وتشريد الملايين كل عام ، بقسوة لا تختلف كثيرًا عما تمارسه إسرائيل في غزة ، وإيران في العراق ، ونظام عائلة اسد في سورية قبل سقوطه .
وتلفت هذه المأساة النظر إلى مسألة لا يمكن تجاهلها ، وهي ان ما يُسمّى الحرب الأهلية في السودان يندرج ضمن مخطط غربي صهيوني لتقسيم السودان .
بدأت خطوات هذا المخطط منذ التمرد في جنوب السودان ، الذي هندسته ودعمته وأدامته إسرائيل والغرب ، واستنزف القطر بشريًا وماديًا ، حتى اضطر السودان ، تحت وطأة ظروف لم يعد يحتملها ، إلى الموافقة على انفصال الجنوب .
أما الحرب الحالية ، فتستهدف استكمال تقسيم السودان جزءًا بعد آخر ، عبر استنزاف متواصل يقتل الأبرياء ويدمر الاقتصاد ، بالتزامن مع نهب الثروات ، وفي مقدمتها الذهب ، لكي يجبر على قبول التقسيم تحت إرهاب استمرار الحرب .
وما يجب الانتباه إليه ، هو أن الأطراف التي دعمت التمرد في الجنوب هي نفسها التي تغذّي الحرب الدموية الحالية ، وقد انضمت إليها أطراف عربية تشارك في هذه المجزرة ، التي لا يمكن تجنب وصفها بـ« الهولوكوست السوداني » ، لأن عدد الضحايا أكبر من مجزرة عادية ، وهذه الهولوكست تم بتخطيط وإدارة مركزية من إسرائيل والولايات المتحدة وأطراف غربية أخرى .
وما يثير الدهشة التامة في كارثة السودان ظهر في الخريطة التي عرضها رئيس الوزراء الإسرائيلي " بنيامين نتنياهو " قبل أيام التي كشفت عن دور إجرامي ومثير لأشد أنواع الإدانة لأنظمة عربية في كارثة السودان ، ورغم كل ما حل بشعبنا في السودان من كوارث فإن دور أنظمة عربية يزداد عمقًا بدلًا من أن يتراجع ، إذ يموت عشرات الآلاف من الأطفال والرجال والنساء كل عام ، وينزح الملايين داخل السودان ، وتهجر قسوة الحرب ملايين آخرين إلى الخارج ، ولو كانت الأطراف العربية التي تدعم حميدتي ، على سبيل المثال ، جادة في إنهاء مأساة السودان ، لما واصلت دعهما لحميدتي ، وهي جريمة بكل المعايير لن ينساها السودانيون بشكل خاص والعرب بشكل عام .
إن هولوكوست السودان جزء من كوارث الأمة العربية ، فما جرى ، وما زال يجري ، في العراق وسورية واليمن وليبيا ولبنان ، يرتبط في التخطيط والنوايا ، ارتباطًا عضويًا بما يجري في السودان ، ونرى وراء هذه الكوارث مخططًا مركزيًا واحدًا ، هو إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا ، ودول غربية أخرى ، وهي الأطراف التي تتحمّل المسؤولية الأساسية عن هندسة الخراب الذي حلّ بالوطن العربي منذ بداية القرن العشرين ومستمر حتى الآن بلا انقطاع .
وهذا الخراب ينتشر بدرجات متفاوتة في الوطن العربي ، وأداته الأساسية هي نشر الفتن الطائفية والعرقية ، والترويج لإنكار عروبة أقطار المشرق العربي والمغرب العربي معاً ، ومحاولة إحلال هويات بديلة محل الهوية العربية الجامعة ، من خلال الحروب والأزمات الكارثية ، والترويج الغائي ، أي المتعمد ، لحقيقة أن من يغدي بالمال ويدعم بالسلاح كوارث العرب أنظمة عربية ! .
وهذا ما تستغله الدعاية الغربية والصهيونية فتحرض ضد الانتماء للعروبة وتشجع على الانفصال عن الهوية العربية ، وما نشهده من تصاعد هذه الدعوات وانتشارها الإعلامي يدخل ضمن المخطط الغربي الصهيوني نفسه ، مجسداً في أفضل تعبيراته في مخطط " برنارد لويس " ، والذي تنفذه الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ، ويستثمر الانقسامات ويعمّقها لإضعاف الأمة وتفكيك روابطها .
إن المطلوب الآن أن تقف الأمة العربية كلها إلى جانب السودان ووحدته الإقليمية وهويته العربية ، وأن يرتفع صوتها رفضًا ل« الهولوكوست السوداني » ، وضرورة الإدانة تامة لأي دور عربي أكثر من إدانة الغرب والصهيونية ، مع ممارسة الضغط لإنهاء الحرب ووقف التدخلات التي تغذّيها ، فالدفاع عن السودان وشعبه ووحدته دفاع عن الأمة العربية وأمنها ومستقبلها .