محور مقاومة أم طابور خامس ؟ ( ٢ ) - الرفيق المناضل صلاح المختار

Published on August 4, 2026 at 8:52 PM

محور مقاومة أم طابور خامس ؟ه

( الحلقة الثانية ) 

بقلم : الرفيق المناضل صلاح المختار 

إذن : ثمة تأكيد لوجود مشروع إمبراطوري فارسي ، يتستر هذه المرة بغطاء « نشر الثورة الإسلامية » ، وتحت تأثير مفهوم ولاية الفقيه ، الذي يغلّب الانتماء الطائفي على الهوية الوطنية العربية ، وبموجبه تصبح الظاهرة المنبثقة عنه ، وهي وجود ميليشيات أو أحزاب تابعة لإسرائيل الشرقية ، مجرد طابور خامس وليست مقاومة ، وذلك ما شهدناه في العراق ولبنان واليمن ، وسورية في ظل حكم الأسد ، وفي بقية الأقطار العربية التي وصل إليها سرطان الطائفية ، حيث تحول جزء من العرب إلى أدوات ضد عروبتهم ، ينفذون أوامر الولي الفقيه ( حاكم الفرس ) بلا تردد ! ، بل وصلت تبعية هؤلاء للفرس إلى حد العبودية التامة ، عندما أكدت هذه الميليشيات أنها « لو وقعت حرب بين العراق وإيران ، لوقفت إلى جانب إيران » ! .ه

ولكي تكون الصورة أكثر وضوحاً ، لا بد من تناول مفهوم ولاية الفقيه ، لأنه يكشف عن الجذر القوي للتبعية للمشروع القومي الفارسي ، فهو مرجعية سياسية وتنظيمية عابرة للحدود ، فعندما يعلن تنظيم يعمل داخل دولة عربية أن مرجعيته النهائية هي ولاية الفقيه ، ومركزها في طهران ، فإن ذلك يثير سؤالاً أساسياً حول موقع القرار الوطني ، لأن الولاء الأعلى لم يعد للدولة التي ينتمي إليها أعضاء التنظيم ، ولا للهوية الوطنية ، وإنما أصبح تابعاً لقيادة خارج الوطن ، وهذا يتناقض جذرياً مع مفهوم الوطنية .ه

ولهذا السبب ، اكتسبت التصريحات العلنية التي صدرت عن عدد من قادة التنظيمات المرتبطة بإسرائيل الشرقية أهمية استثنائية ، لأنها لم تترك مسألة الولاء في دائرة التأويل أو التخمين ، بل قدمتها على أنها التزام معلن .ه 

إن التأكيد على وجود مشروع إمبراطوري فارسي يتستر بغطاء « نشر الثورة الإسلامية » ، ووجود ميليشيات أو أحزاب تابعة لإسرائيل الشرقية تعلن ولاءها لها ، لا لوطنها ، يزيل أي ملمح ، ولو كان بسيطاً ، للرابطة الوطنية .ه

ومن بديهيات العصر ، أن كل تنظيم يعمل داخل أي دولة عربية يجب أن يكون ولاؤه النهائي لتلك الدولة ولمصالح الأمة العربية ، لأن هذا هو الشرط الذي يمنحه الشرعية الوطنية ، أما إذا أصبح ولاؤه النهائي لقيادة سياسية خارج الحدود ، مهما كانت المبررات التي يقدمها ، فإن صفته الوطنية تسقط حتماً ، لأن مركز القرار لم يعد داخل الوطن ، وإنما انتقل إلى مركز المشروع الذي ينتمي إليه : أسرائيل الشرقية .ه

هل لإسرائيل الشرقية مشروع استعماري يشابه المشروعين الأميركي والإسرائيلي الغربي ؟ ، الجواب : نعم ، وطهران لا تخفي أبداً أنها تعمل بكل طاقاتها على نشر ما سماه " خميني " « الثورة الإسلامية » .ه

وفيما يلي نماذج من تصريحات قادة إيران :ه

1- " علي يونسي " ، وزير استخبارات سابق ومستشار للرئيس " حسن روحاني " آنذاك ، قال في مارس/ آذار ( 2015 ) : « العراق ليس فقط ضمن دائرة نفوذ حضارتنا ، بل هو هويتنا وثقافتنا ومركزنا وعاصمتنا » .ه

المصدر : نقل فارسي، مقتبس عن وكالة « إيسنا »ISNA : https://melliun.org/iran/59324

2- " علي رضا زاكاني" ، نائب عن طهران وأحد القيادات السياسية المقربة من الحرس الثوري ، صرح في سبتمبر /أيلول ( 2014 ) قائلاً : « سقطت ثلاث عواصم عربية في يد إيران ، وانضمت إلى الثورة الإسلامية ، وهي بيروت ودمشق وبغداد ، وصنعاء ستكون العاصمة الرابعة » .ه

المصدر : وكالة YJC الإيرانية ، وتصريحات نقلتها قناة العربية ومواقع تحليلية عديدة .ه

3- " مهدي طائب" ، رجل دين بارز ورئيس ما يعرف بـ« قاعدة عمار » المرتبطة بالتيار الأمني في إيران ، قال في عام ( 2013 ) : «سوريا هي المحافظة الخامسة والثلاثون لإيران ، وإذا فقدنا سوريا فلن نستطيع الاحتفاظ بطهران ».ه

المصدر : إذاعة راديو ( فردا ) ، ومؤسسات بحثية مثل مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي .ه

4- " قاسم سليماني " ، قائد فيلق القدس ، مثّل الشخصية الأكثر نفوذاً في رسم استراتيجية النفوذ الإقليمي الإيراني وتنفيذها ، ومن اقتباساته البارزة :ه

• « نحن نسيطر فعلياً على الوضع في العراق وسوريا ولبنان ... هذه ليست حدوداً ، بل جبهة واحدة للمقاومة » .ه

خطاب داخلي للحرس ، 2017 – وكالة فارس .ه

• « نحن نواجه العدو على بعد آلاف الكيلومترات من حدودنا ، لكي لا نضطر إلى مواجهته في كرمان أو طهران » .ه

( 2018 ) – قناة العالم .ه

• « الشرق الأوسط اليوم يخضع لجبهة المقاومة الممتدة من إيران إلى لبنان ، مروراً بالعراق وسوريا واليمن » .ه

( 2019 ) – وكالة تسنيم .ه

5- " محسن رضائي " ، قائد سابق للحرس الثوري وأمين مجلس تشخيص مصلحة النظام ، ومن اقتباساته البارزة :

• « لقد تجاوزنا مرحلة الدفاع داخل حدودنا ، وصار أمننا مرتبطاً بامتدادنا حتى شواطئ البحر الأبيض المتوسط » .ه

( 2014 ) – وكالة مهر .ه

• « إيران اليوم في قلب المنطقة : من طهران إلى صنعاء ، ومن الخليج إلى البحر المتوسط » .ه

( 2017 ) – وكالة فارس .ه

• « قوة إيران لا تقاس بعدد الجنود ، بل باتساع جبهة المقاومة التي تضم العراق وسوريا ولبنان واليمن » .ه

( 2021 ) – وكالة تسنيم .ه

6- " علي أكبر ولايتي " ، مستشار المرشد الأعلى للشؤون الدولية ووزير الخارجية السابق بين عامي ( 1981 و1997 ) ، ومن اقتباساته البارزة :ه

• « سوريا حلقة ذهبية في سلسلة المقاومة الممتدة من طهران إلى بيروت » .ه

( 2016 ) – وكالة إيرنا .ه

• « العراق لن يعود قاعدة للأميركيين ، فهو جزء من محور المقاومة الذي تقوده إيران » .ه

( 2018 ) – وكالة تسنيم .ه

• « من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط ، تمتد اليوم جبهة موحدة تقف في وجه العدو الصهيوني » .ه

( 2020 ) – وكالة فارس .ه

ولكي نكمل الصورة ، لا بد من التذكير بما قاله " حسن نصر الله " قبل مقتله ، خصوصاً اعترافه بأنه « جندي في جيش حسين العصر ، الإمام خامنئي ، وأنه يأكل من مال إيران ، ويتسلح بمال إيران ، وأن رواتب حزبه من إيران » ، ما مغزى كل هذه التصريحات ؟ ، تشترك في اعتبار العراق وسوريا الكبرى والخليج العربي امتداداً طبيعياً ( للحضارة الإيرانية ) أو للسيطرة الإيرانية ، وتوظف في الخطاب السياسي والأيديولوجي لتبرير الغزو الإيراني .ه

والسؤال الذي نوجهه إلى نغول إسرائيل الشرقية هو : هل يوجد استعمار طيب وآخر سيئ ؟ ، كل استعمار سيئ ، والمشروع الإمبراطوري القومي الفارسي ، الذي كان الشاه محمد رضا يعمل من أجله وتبناه خميني ، ليس إلا مشروعاً استعمارياً واضحاً .ه

هل بقي الأمر عند هذه الحدود ؟ ، كلا ، فإن هذه الميليشيات حملت السلاح دفاعاً عن إسرائيل الشرقية عندما تعرضت لهجوم أميركي إسرائيلي ، وتحمّلت هذه الأقطار الخراب ومقتل الآلاف ، وما كان ذلك إلا دفاعاً عن المشروع القومي الفارسي ، ولكن المفارقة الكاشفة بوضوح عن التبعية لطهران ظهرت عندما طلب حسن نصر الله من " خامنئي " نجدته ، مع من بقي من قادة حزبه ، بالتدخل الإيراني العسكري ، فرد عليه خامنئي بوضوح تام قائلاً : « إن إيران لا تقاتل من أجل الغير » ! .ه

ولكن الأخطر من ذلك أن خامنئي كشف بلا غموض أن « الصراع الرئيسي الدائر الان هو بين جبهة الحسينيين وجبهة اليزيديين ، وأنه صراع لن يتوقف إلا بانتصار جبهة الحسينيين » ! ، وهذا التصريح يوضح المعنى ، فخامنئي يقول إن الصراع ليس مع أميركا وإسرائيل الغربية ، بل هو صراع طائفي بين الشيعة والسنة ! ، إن هذين التصريحين يكشفان حقيقة أن إسرائيل الشرقية تستخدم الميليشيات العربية لخدمة المشروع الاستعماري الإيراني فقط ، وتصريح خامنئي عن طبيعة الصراع الدائر ليس إلا رسالة إلى أميركا وإسرائيل الغربية ، يقول فيها لهما بكل وضوح : لماذا تشنان الهجمات علينا ، ونحن نتفق معكما في أن الصراع الرئيس هو بين السنة والشيعة ، واستراتيجيتكما تقوم على إشعال الحروب الطائفية ، ونحن ننفذ ذلك ؟ ، فهل يوجد دليل أوضح من هذه الأدلة على أن المشروع الإيراني مشروع استعماري ، هدفه تدمير الأقطار العربية وإستعمارها ونشر الفتن الطائفية والعرقية فيها ؟ .ه 

إن هذه الحقيقة تسقط بقوة أي ادعاء بأن هناك « محور مقاومة » ، وتثبت أن هذا المحور ليس إلا أداة مشروع قومي ايراني صريح لتحقيق أهداف استعمارية أكبر وأخطر من المشروع الصهيوني ، فإذا كانت إسرائيل الغربية تحتل فلسطين ، ولديها خطة لإقامة إسرائيل التوراتية ، فإن لإسرائيل الشرقية مشروعاً أكبر ، هو احتلال الأقطار العربية ثم البلدان ا لاسلامية ، وقد احتلت عملياً ، وبدعم أميركي ، أربعة أقطار عربية ، ناهيك عن احتلالها للأحواز العربية ، التي تفوق وحدها فلسطين مساحة وسكاناً عدة مرات ! .ه

فهل احتلال الاحواز والعراق واليمن ولبنان وسورية ، حتى سقط نظام اسد ، امر ثانوي كي يقف البعض مع الفرس ؟ ، أم انها خيانة لا تختلف عن خيانة فلسطين ؟ .ه

وثمة سؤال جوهري تطرحه تصريحات قادة الفرس التي أوردناها : لماذا تقوم استراتيجية إسرائيل الشرقية ، مثل استراتيجية إسرائيل الغربية ، على خوض حروبهما خارج حدودهما ، أي في الوطن العربي ، وعدم السماح بخوضها داخلهما ؟ ، الجواب : لأن ذلك يحقق لهما هدفين في آن واحد : المحافظة على أمنهما الداخلي ، وخوض الصراع بأقل تكلفة ممكنة ، وإلحاق الخراب بالاقطار العربية وذبح آلاف العرب ! ، هل هذا التشابه عفوي وبلا معنى بعيد ؟ .ه

منذ أن سلمت أميركا وبريطانيا الحكم لخميني ، بعد أن أسقطتا الشاه ، عملت طهران على بناء شبكة واسعة من التنظيمات التابعة لها في الاقطار العربية ، بدعم وتمويل أمريكيين كما كشف " ترامب " ، بحيث أصبحت هذه القوى تمثل خطوط الدفاع الأولى عما تحققه المطامع الإيرانية من غزوات اقليمية ، وتتحول،عند اشتداد الأزمات ، إلى ساحات الاشتباك الأولى قبل أن يصل أي تهديد إلى الداخل الإيراني ، وبهذا الأسلوب ، أصبح العراق ولبنان واليمن ، وفي مراحل معينة سورية ، ميادين رئيسية للصراع ، دفاعاً عن المشروع الاستعماري الايراني ، المتصارع مع المشروعين الأمريكي والصهيوني بسبب تقاسم الغنائم ، بينما بقيت الأراضي الإيرانية نفسها بعيدة عن المواجهات العسكرية .ه

وهنا يبرز السؤال الجوهري : إذا كانت هذه التنظيمات تمثل حركات مقاومة وطنية مستقلة ، فلماذا تتطابق أولوياتها الاستراتيجية مع أهداف المشروع القومي الفارسي ؟ ، ولماذا تتحرك وفق الإيقاع العام للأزمة الإيرانية ، صعوداً وهبوطاً ، وهو ما نراه الآن بوضوح فيما تقوم به الميليشيات الإيرانية في اليمن والعراق ولبنان ؟ .ه 

إن هذا التزامن المستمر يؤكد وجود إطار استراتيجي يتحكم بهذه الميليشيات ، ويجعلها جزءاً من منظومة واحدة تابعة لإسرائيل الشرقية ، وفي خدمة أهدافها الاستراتيجية .ه

ولعل أبرز ما يكشف طبيعة هذه المنظومة أن إسرائيل الشرقية ، عندما تواجه أخطاراً تهدد أمنها المباشر ، تحرص على أن يبقى الاشتباك الرئيسي مستمراً وطويلاً بعيداً عن أراضيها ، وتتولى أدواتها العربية خوض القسم الأكبر من المواجهات في البيئات المحيطة بها ، ولكن عندما تصبح الحرب في الاراضي الايرانية ، فإن طهران تسعى إلى أن تكون محدودة في الزمان والنطاق ، حفاظاً على مركز المشروع الإمبراطوري الفارسي ، لأن بقاء هذا المركز يمثل الشرط الأساسي لاستمرار غزواتها الإقليمية .ه

ننتقل إلى السؤال الأكثر حسماً : إذا كان مركز القرار موجوداً خارج الحدود ، وإذا كانت الحروب تدار لخدمة المشروع الايراني ، فكيف يمكن وصف هذه التنظيمات بأنها حركات مقاومة ؟ .ه 

إن التشخيص الأدق هو أنها ليست أكثر من أذرع متقدمة لمشروع استعماري إقليمي ، يستخدم قضية فلسطين أداة ظاهرية لتوسيع نفوذه في الوطن العربي .ه

ما هي الفكرة الجوهرية عبر كل ما شرحناه ؟ .ه

ان رفع شعار المقاومة لا يمنح الشرعية تلقائياً ، بل هو مشروط بتحديد لمن يخدم في النهاية ، وفي اللحظة التي يثبت فيها أنه يخدم مشروع معاد وامبريالي ، فإن وصف المقاومة يسقط تلقائياً ويصبح الوصف الأدق ، هو أنه عمل شبكة جواسيس ، مهما كانت الشعارات التي يرفعها ، ومهما كانت طبيعة المواجهات التي يخوضها .. يتبع .ه 

Almukhtar44@gmail.cpm

           30-7-2026