تهاوي الأسطورة - د. زينة الرافعي

Published on August 2, 2026 at 4:17 AM

تهاوي الأسطورة :ه

الهجرة العكسية ومسار الغروب الصهيوني

 بقلم : الرفيقة الدكتورة زينة الرافعي 

لم يكن المشهد الاستيطاني في فلسطين سوى حركة احتلال ديموغرافي تأسست على بنية أسطورية صاغتها المؤسسات الحاخامية المتطرفة لمنح مشروع استعماري غطاءً مقدساً ، شرعن اقتلاع أصحاب الأرض الأصليين وإحلال وافدين من شتى بقاع الأرض مكانهم . ه

واعتمد هذا المشروع على خديعة تاريخية تحول بموجبها مفهوم " بني إسرائيل " وهم في الأصل مجرد سلالة وعشيرة محدودة من ذرية النبي يعقوب عليه السلام ، انصهرت وتشتتت عبر التاريخ ، إلى ( قومية ) سياسية مصطنعة معاصرة تُجمّع شتات أعراق أوروبية وإفريقية وآسيوية لا تجمعها أي رابطة جينية ، وانسحب هذا التزييف على التاريخ والمكان ، حيث أثبت علماء الآثار المستقلون ، ومنهم آثاريون يهود صهاينة ، أن المنطقة لم تشهد إمبراطوريات عظمى كما تروج الأدبيات الصهيونية ، بل مجرد إمارات جبلية صغيرة ومحدودة ، في حين فشلت عقود من الحفريات والتنقيب المكثف تحت المسجد الأقصى وفي القدس القديمة في العثور على أثر معماري واحد يثبت وجود " هيكل سليمان " بالصورة الهوليودية ، ليبقى مجرد ذريعة لتهويد الجغرافيا ، معززاً بأكذوبة " شعب الله المختار " التي جرى تأويلها لنزع الإنسانية عن صاحب الأرض وحرمانه من حقه الطبيعي .ه

لكن هذا البناء القائم على الأساطير واجه هزته الحقيقية حين انكشفت هشاشة العقد الاجتماعي بين المستوطن والأرض ، فعقب اندلاع معركة " طوفان الأقصى " وما تلاها ، انكسرت معادلة الجذب الاستيطاني وتحول تدفق الهجرة الوافدة إلى هجرة عكسية حادة نحو الولايات المتحدة وكندا والدول الأوروبية . ه

لقد شهد مطار ( بن غوريون ) مغادرة عشرات الآلاف من الأطباء والمهندسين وأصحاب الكفاءات ممن يحملون جنسيات مزدوجة ، ليعودوا إلى مواطنهم الأصلية بمجرد غياب شرطي الأمان والرفاه الذي كانوا يتمتعون به قبل السابع من تشرين الأول ، كاشفين عن غياب الجذور العميقة وارتهان الوجود بالاستقرار المؤقت . ه

ولم تفلح محاولات المؤسسات الاستيطانية الصهيوني في سدِّ هذا النزيف عبر استيراد مهاجرين جدد من مناطق الأزمات في شرق أوروبا ، إذ عجزت عن تعويض الكفاءات المغادرة وزادت من الأعباء الاقتصادية والاجتماعية على كيان عنصري هزيل يعاني من أزمات هيكلية وتفكك داخلي حاد .ه

هذا التآكل الذاتي يتلاقى مع الهواجس التاريخية التي يناقشها قادة الفكر والسياسة في الداخل الصهيوني ، فيما يُعرف بـ " لعنة العقد الثامن " ، وهي حقيقة تاريخية تشير إلى أن الكيانات اليهودية القديمة لم تستمر كدول مستقلة لأكثر من ثمانين عاماً قبل أن تتفكك من الداخل .ه 

واليوم ، ومع اتساع الفجوة بين التيارات العلمانية والمجموعات الدينية المتطرفة ، تصبح الهجرة العكسية والانقسام المجتمعي الخطر الوجودي الأكبر الذي يعجل بتكرار هذا السيناريو التاريخي .ه

وفي المقابل لهذا الوجود المشروط وجوازات السفر البديلة والأساطير والخرافات الباطلة ، يقف الشعب الفلسطيني الصامد بمعادلة وجودية صلبة عصية على الإلغاء أو المحو ، فالفلسطيني هو الامتداد السكاني والجغرافي الطبيعي للكنعانيين العرب ولكل الحضارات التي سكنت هذه الأرض وانصهرت فيها عبر آلاف السنين . ه

يجسد اللاجئ الفلسطيني في مخيمات دول الشتات هذا التجذر الممتد في عمق الارض الفلسطينية حين يحتفظ بمفتاح بيته المهجر قسراً ، متمسكاً بحق العودة ، التراث الثقافي ، والذاكرة الجماعية ، رافضاً كل مشاريع التوطين ، ومُسقطاً الرهان الصهيوني القديم بأنه " إذا مات الكبار نسي الصغار " ، وعلى عكس المستوطن المستعد للرحيل عند أول خطر يداهمه ، أما  الفلسطيني فهو يتحدى الحصار والتهجير والإبادة بالثبات والبقاء لأنه لا يملك وطناً مستعاراً ولا أرضاً بديلة .ه

إن الكيان الذي يشترط استيراد البشر ويستند إلى أساطير تاريخية يواجه اليوم حقيقة استراتيجية قاسية ، فعندما تتوقف حركة التدفق السكاني وتتحول إلى نزيف عكسي ، ينهار أحد أهم عمودين قام الكيان الصهيوني عليهما ، وهو عمود الهجرة من الخارج الى الداخل ، وتبدأ الأسطورة بالانهيار أمام واقع صاحب الأرض الذي لم يغادر تاريخه ولا جغرافيتها . ه

ومن هنا ، تسعى الدعاية الصهيونية اليوم للترويج لفكرة ملفقة تتنبأ بهجرة تاريخية ضخمة من أمريكا الشمالية وأوروبا إلى فلسطين المحتلة ، بهدف إطفاء حريق الهجرة العكسية والإيحاء بأن محرك التأسيس الأساسي هو التدفق البشري من الخارج لا يزال يعمل .ه

لكن الوجه الآخر المخفي عمداً خلف هذه الدعاية ، هو أن هذه دعوات تدق ناقوس الخطر ، إذ تشهد المجتمعات الغربية إنقلابات غير مسبوقة ضد الصهيونية ، حيث يواجه اليهود هناك مخاطر الرفض والإدانة بسبب حرب الإبادة الجماعية التي تُرتكب في فلسطين ، وبالتالي ، تُعدُ العُدة لنقلهم إلى فلسطين المحتلة لعزلهم وإعادة دمجهم في مجتمع معبأ عنصرياً ضد العرب ، خشية حدوث ردات جماعية تجعل أغلبية يهود الغرب يتجهون نحو مواقف مناهضة للصهيونية على غرار حركة " ناطوري كارتا " .ه

غير أن هذه الرهانات تصطدم ببديهية طبقية وثقافية حاسمة ، فاليهودي العام في الغرب ينتمي في غالبيته إلى الطبقة المتوسطة والبرجوازية الصغيرة التي تتميز بالوعي والثقافة والارتباط بمصالحها ومكاسبها في المجتمعات الغربية .ه 

إن هذه الفئة الواعية لن تترك أمن ورخاء أمريكا وأوروبا لتلقي بنفسها في أتون كيان مضطرب ومهدد ، مهما بلغت الحوافز المادية أو صرخات النفير الأيديولوجي ، بدليل تشكل كتل جماهيرية يهودية ضخمة ضد نهج " نتنياهو " وهي التي تدعم كل مرشح للإدارات الولاياتية والكونغرس من المناهضين للجرائم ضد شعب فىسطين ، فمثلاً ، أن نجاح " زهران ممداني " في مدينة نيويورك أحد أسبابه دعم كتل يهودية ضخمة له ، وهنا تكمن هشاشة هذه الدعوات ، فهي محاولة بائسة ستفشل في استقطاب الأعداد الموعودة ، وإن أثمرت عن شيء ، فلن تجلب سوى هجرات هامشية تُشبه هجرات " الفلاشا " السابقة ، ليظل القادم الجديد مجرد أداة ديمغرافية شاحبة في مشروع ودّع عصر تفاؤله ، وبدأ رسمياً مسار الغروب العالمي .ه

الفكرة التي تطغى على العقل اليهودي في العالم الآن هي أن المشروع الصهيوني يتهاوى بسرعة اقوى من اي مصد .ه