رد على نقد الرفيق الربضي لبيان المؤتمر القومي الاستثنائي
بقلم : الرفيق المناضل صلاح المختار
الممثل الرسمي للقيادة القومية
أشكر الرفيق " عادل الربضي " على مبادرته وكتابة رأيه في أزمة الحزب ونقده لمسارها وما حصل فيها ، خصوصاً وأنه تمسك بقيم الحزب الأخلاقية في الحوار . ه
ولكي يكون الحوار بين الرفاق مولداً لفهم أصح وأعمق وأوسع وأدق ، فلا بد من تحليل ملاحظات الرفيق عادل ، التي تتضمن نواقص كثيرة جعلته يخطئ في قضايا ، مثلما أصاب في غيرها .ه
وهدفنا الرئيس إزالة كل ما علق في أذهان البعض من أخطاء في تفسير أزمة الحزب ، وهذا الرد يشمل كل من يقوم بنقد مبني على معلومات جزئية أو نظرة أحادية .ه
وما دام الرفيق عادل قد اختار طريق المصارحة ، فمن حقنا ، بل من واجبنا ، أن نبادله المصارحة نفسها ، غير أن أي فهم للأزمة لا يبدأ من الحقيقة التي أشعلتها داخل الحزب ، ولا يمنحها وزنها الكامل في تفسير ما تلاها ، سيفقد القدرة على إصدار حكم موضوعي ودقيق . ه
فحتى في القضاء العادي ، يبدأ القاضي بالسؤال عمّن أشعل الخلاف ، وما النتائج التي ترتبت على فعله ، ثم يحدد المسؤولية الأولى قبل أن ينتقل إلى تقويم ردود أفعال الأطراف الأخرى .ه
ومن هذا المنطلق ، كان يُفترض بالرفيق عادل أن يشخّص ، بدقة وبوضوح أكبر ، المخاطر التي ترتبت على الإجراءات الصادرة عن زمرة الردة التي اختطفت اسم القيادة القومية واستخدمته للابتزاز والتضليل ، خصوصاً وأنها اتّخذت في أجواء شديدة الحساسية أعقبت رحيل الرفيق الأمين العام " عزة إبراهيم " رحمه الله ، فقد استغلت هذه الزمرة تلك اللحظة لتصفية قيادات عُدّت ، خصوصاً منذ عامي ( 2010 و2011 ) ، عقبة أمام مشروع السيطرة على الحزب ، وهي مسألة تثبتها وثائق حزبية منشورة .ه
إن من ينظر إلى الأزمة من خارج التنظيم قد يعجز عن استحضار جميع وجوهها ، ولو كان الرفيق عادل هو نفسه داخل الحزب ، وتعرض مع رفاق آخرين لقرارات فصل غير شرعية بصورة متحدية ، فهل كان سيقبل الصمت ، أم كان سيعترض ويطلب الإنصاف ؟ ، هذا هو ما فعله الرفاق : اعترضوا وطالبوا بإعادة النظر ، فجاء الرد بتأكيد قرارات الفصل بدل مراجعتها. وعدم شرعية قرارات الفصل واضحة ، فهي لم يسبقها تحقيق حزبي ، كما تفرض المادة ( 61 ) من النظام الداخلي للحزب في فقرتها الخامسة ، وهذا السلوك بحد ذاته مدعاة للتوقف كثيراً : ه
فلماذا تصدر قرارات فصل قادة وكوادر بلا تحقيق ، والحزب محكوم بنظامه الداخلي ؟ ..ه
وعندما تُعامل هذه البداية كواقعة ثانوية ، أو مجرد واقعة بين وقائع متساوية ، وهو ما فعله الرفيق عادل ، حيث مر على قرارات الفصل كأنها حدث بسيط يمكن قبوله لأنه ثانوي ، تبدأ مسيرة دخول عالم غامض لا ضوء كافياً فيه ، والسبب يتعلق بأحد مبادئ الحزب الجوهرية ، وهو مبدأ العدالة ، وهو ما سنشرحه لاحقاً . ه
إن مرور الرفيق عادل على هذه المسألة من دون توقف وتفسير معناها العميق جعل تفسيره للأزمة مبتوراً .ه
ومن يريد وضع النقاط على الحروف ، ويقيّم ما جرى ومن يتحمل المسؤولية ، فعليه أولاً أن يربط الإجراءات غير النظامية بما سبقها من خطوات تكتلية وغير نظامية ، وهذا ، مع الأسف ، ما غاب عن تقييم الرفيق عادل ، فظهر الحريق الذي أشعل الأزمة وكأنه مجرد حلقة عادية في سلسلة الأحداث ، والحقيقة أن من يشعل الحريق يتحمل المسؤولية الأساسية ، أما من يكسر نافذة أو باباً ليطفئ النار فقد يخطئ في الوسيلة ، لكنه لا يُساوى بمن بدأ الحريق .ه
النقطة الجوهرية الثانية ، هي أن الرفيق عادل ، يبدو من خلال تعليقه ، كأنه لم يعرف أن عشرات المحاولات جرت لتصحيح الخطأ القاتل المذكور الذي ارتكبته الزمرة المرتدة ، فقد رفضت النداءات والمبادرات التي صدرت من داخل الحزب وخارجه لمعالجة الأخطاء ، وعُقدت ندوة كبرى تاريخية تحت اسم « المناظرة الكبرى » ، استمرت عامين كاملين ، بمشاركة أكثر من ( 80 ) رفيقاً ، بينهم أعضاء قيادات قطرية وكوادر متقدمة من مختلف التنظيمات ، بما فيها تنظيم زمرة الردة ، وبحثت بحرية تامة كافة أوجه الأزمة ومسبباتها وما ترتب عليها ، واتفق الجميع على ضرورة إعادة توحيد الحزب ، وطُرحت مبادرات متعددة لأجل ذلك ، ولكن من رفضها بصورة تامة هي زمرة الردة ، ولا أدري لماذا لم يسأل الرفيق عادل رفاقه من الأردن الذين شاركوا في حوارات المناظرة الكبرى ، ومنهم أعضاء قيادة قطرية في الأردن ؟ .ه
فوق ذلك ، اتصل رفاق مخلصون تربطهم ب" علي الريح السنهوري " علاقات قوية ، ومنها علاقات عائلية ، وعرضوا عليه إعادة النظر في العقوبات ، ولكنه أصر على إبقاء العقوبات بصورة تبعث على الاستنتاج أنه يخفي هدفاً خطيراً كامناً وراء إصراره على رفض معالجة الفتنة الخطيرة في الحزب ، وهؤلاء ما زال بعضهم أحياء ، وهذا الرفض التام والمتكرر لا يحدد مسؤولية تفجير الأزمة فحسب ، بل مسؤولية إدامتها أيضاً .ه
في المقابل ، قبل الطرف المتضرر مبادرات الحل ، وقدم تنازلات عديدة موثقة سعياً إلى إعادة الوحدة ، لكن الطرف الآخر رفضها أيضاً . ه
ومن هنا ، لا يبدو منطقياً التقليل من شأن هذه الوقائع أو التعامل معها كأنها تفاصيل هامشية في صراع تنظيمي عابر ، كما ورد في نقد الرفيق عادل ، وكان المطلوب منه ، لكي يكون نقده منتجاً لخطوة صائبة ، أن يتضمن هذه الضرورة ، لأن ذلك سيساعد على تحديد من تسبب في الوضع الانقسامي .ه
ومن مظاهر العدالة والإنصاف كشف الرابط بين دور الأفراد والعقوبات التي صدرت بحقهم ، فدور هؤلاء الذين عوقبوا كان المحرك الأول لزمرة الردة ضدهم . ه
فهل هي صدفة أن العقوبة وُجهت لرفاق لهم دور مشهود في نضال الحزب بعد الغزو ، وكادوا ينفردون بهذا الدور إعلامياً وفكرياً ونضالياً لمدة ثلاث سنوات غابت فيها القيادة القومية ؟ ، ولم يُعَد تشكيل مكتب الثقافة والإعلام القومي إلا في عام ( 2008 ) ، ولا مكتب الثقافة والإعلام القطري في العراق ، ومع ذلك ، قاد هؤلاء الرفاق النضال الإعلامي والفكري ، ورفعوا معنويات الرفاق في كل الوطن العربي ، بعد الضربات الموجعة التي وُجهت للحزب في العراق عقب الغزو . ه
وهذه الحقيقة هي التي دفعت الرفيق الأمين العام للحزب ، عزة إبراهيم ، كي يُقدم على خطوة غير مسبوقة ولا ملحوقة ، وهي تكريس خطابه لمناسبة ذكرى ثورة ( 17 تموز في عام 2010 ) لمخاطبة الرفيق أبو أوس وتحديد دوره الميداني .ه
فماذا عن دور زمرة الردة ؟ ، من أصدروا قرارات الفصل لا يوجد لهم دور إعلامي ولا عسكري ولا فكري ولا تنظيمي ، فلم يشاهدهم أحد يدافعون عن البعث في الفضائيات والمحافل الدولية والعربية ، وحتى البيانات كانوا بخلاء فيها ! ، فهل هذا الدور المتخلف ، الذي وصفه الأمين العام بأنه دور لا يليق بالقيادة القومية ، يؤهلهم لاتخاذ قرارات ظالمة بحق من صمدوا وقاتلوا وضحّوا ونزفوا ؟ .ه
الحزب ، يا رفيق عادل ، وكما تعرف ، هو أداء مناضليه ، ويُقاس كل دور بما قدم ، فلماذا لم تؤخذ هذه الحقيقة كمؤشر يساعد على تفسير الأسباب ، أو على الأقل أحد الأسباب التي دفعت لفصل من كانوا طليعة الرفاق بعد الغزو ؟ ، هذه ليست مسألة أخلاقية فقط ، ولا هي حق أفراد في الحزب فقط ، بل هي في جوهرها تتعلق بالاستحقاقات التاريخية ، فلكل فرد ما يستحق من نتائج ما عمل ، هذه أهم قواعد الأخلاق والعدالة .ه
الحقيقة المهمة هنا ، هي أن استهداف الأكثر نشاطاً وفاعلية وخدمة له تفسير واضح في سياق تنفيذ خطة السيطرة على التنظيم .ه
أما اعتقاد الرفيق عادل بشرعية ما يسمى القيادة القومية ، فتنقضه وقائع مادية وتنظيمية عدة ، فالشرعية الحزبية تُستمد أولاً من الالتزام بالنظام الداخلي ، لأنه وُضع لضبط العمل ومنع العدوان والتخريب ومعالجة الأخطاء ، وحين لا تلتزم أعلى قيادة في الحزب بهذا النظام ، فإنها تقوض الأساس الذي تستمد منه شرعيتها .ه
إن النظام الداخلي هو أداة تثبيت العدالة داخل الحزب ، وتعطيله يغيّب العدالة ، وإذا غابت العدالة ، وتجسد غيابها في قرارات فصل غير شرعية ، ظهر سؤال أخلاقي وسياسي لا يجوز تجاهله : ه
كيف يمكن للحزب أن يدّعي قدرته على إقامة العدالة في المجتمع إذا عجز عن إقامتها في داخله ؟ .ه
إن من يغفل هذه البديهية يفقد القدرة على الربط بين حقائق الأزمة ، وينتهي إلى نتيجة ناقصة لا تعبّر عن جوهرها ، والرفيق عادل ، مع الأسف ، وقع في هذه الإشكالية ، فإنزاله لقيمة العدالة في الحزب إلى مرتبة حالة بسيطة يمكن غض النظر عنها ، ومواصلة اعتبار الجهة التي ارتكبت الظلم قادرة على مواصلة قيادتها للحزب ، وتتمتع بالشرعية خطأ قاتل تماماً .ه
وهذه المسألة ليست قضية فصل رفاق فقط ، بل أساساً قضية مبدأ أساس من مبادئ العدالة واستقرار المجتمعات والأمم .ه
فالعدالة واحدة لا تتجزأ ، وظلم شخص واحد جريمة لا تُغتفر ، وهذه حقيقة أقرتها البشرية ، فالقاضي الذي يصدر حكماً يتعارض مع القانون ، ولو مرة واحدة ، يفقد أهليته للقضاء .ه
ثم أن الشرعية ليست حقاً مطلقاً ، ولا تفويضاً أبدياً ، فمن أعضاء القيادة المنتخبة عام ( 1992 ) والذين بلغ عددهم ( 11 ) رفيقاً ، لم يبقَ سوى ( علي الريح السنهوري وأحمد شوتري ) ، وبعد مرور ( 34 ) عاماً على انتخابهما ، تصبح مشروعية استمرار التفويض موضع تساؤل جدي .ه
وقد يقال أن هذا المعيار ينطبق أيضاُ على الرفيق عزة إبراهيم ، غير أن الفرق الجوهري بين الرفيق عزة ابراهيم وزمرة الردة يكمن في أن الرفيق عزة إبراهيم اكتسب شرعية ثورية إضافة للشرعية الحزبية ، من خلال قيادة الحزب والمقاومة وخوض الصراع المسلح ، وهي شرعية معروفة في حركات التحرر ، وبفضل دوره ، امتدت هذه الشرعية إلى ما تبقى من أعضاء القيادة القومية ، أما بعد رحيله ، فإن من بقي من أعضاء القيادة المنتخبين ، ولم يكن يملك الشرعية الثورية نفسها لأنه لم يحمل البندقية ، لم يعد قادراُ على الاستناد إلى الغطاء السابق .ه
أما الأعضاء المشاركون أو المعيّنون ، فهم ، بحسب النظام الداخلي ، ليسوا أعضاء أصليين منتخبين ، بل كُلّفوا بملء الفراغ الإداري الذي نشأ بفعل استشهاد أو وفاة أو إعدام غالبية أعضاء القيادة القومية ، فالشرعية الحزبية غائبة تماماً هنا .ه
وترتبط الشرعية كذلك بمفهوم النصاب ، فأي هيئة قيادية تستمد شرعيتها من توافر النصاب القانوني وهو النصف زائد واحد ، وإذا كان عدد أعضاء القيادة القومية المنتخبين في المؤتمر القومي الثاني عشر أحد عشر رفيقاً ، ولم يبقَ منهم سوى اثنين ، فإن النصاب الذي منحهم شرعية الاستمرار زال ، وكان الواجب عندئذ عقد مؤتمر قومي ينتخب قيادة جديدة .ه
ولعل الرفيق عادل ، بحكم وجوده خارج التنظيم ، لا يعرف أن هذه المجموعة كانت ، طوال سنوات ما بعد غزو العراق ، تطالب بعقد مؤتمر قومي ، بينما كان الأمين العام عزة إبراهيم يرفض ذلك لأسباب أمنية مفهومة ، غير أن هذه الزمرة ، بعد وفاته وسطوها على اسم القيادة القومية ، لم تعقد المؤتمر القومي الذي طالبت به سابقاً ، وظلت خمس سنوات ترفض انعقاده ، وكان السبب هو معرفتها بأن أغلبية الرفاق لا تؤيد نهجها .ه
ثم لجأت إلى عقد اجتماع بائس في صيدا ، مكلل بعار أبدي ، وهو أنه عُقد بحماية حزب الله في لبنان ، وهو الأداة الأخطر للاستعمار الإيراني ، وحضرته عناصر هامشية لا أحد يعرف أن لها أي دور بعد غزو العراق ، ومن انتُخب في قيادتها القومية أشخاص لا يملكون الحد الأدنى من المؤهلات النضالية والفكرية والتجربة ، وكل ما جمعهم هو الانتهازية والارتزاق والإصرار على إبقاء الحزب أسير أنصاف الأميين والساعين وراء المال الحرام . ه
ومن هنا ، يبرز السؤال : ه
لماذا عُقد في صيدا وبلدان العالم كثيرة ؟ ، إن مجرد الإصرار على عقده في صيدا له دلالة أمنية واضحة ، ثم لماذا تهربت هذه الزمرة من عقد مؤتمر قومي واسع وشرعي لمدة خمس سنوات ، كان يمكن أن يكون وسيلة لمعالجة الأزمة والانشقاقات ، وعقدته في صيدا مؤخراً ؟ ، مع الأسف ، إن هذا السؤال غاب عن الرفيق عادل ... يتبع .ه