هل تعمل أمريكا ضد الفساد في العراق حقاً ؟ 

Published on August 3, 2026 at 6:22 AM

الافتتاحية :ه 

هل تعمل أمريكا ضد الفساد في العراق حقاً ؟ .ه 

بعد غزو العراق استمر التعاون الأمريكي الإيراني ، الذي بدأ مبكراً قبله بسنوات طويلة ، وكان الدليل المادي على ذلك هو أن مجلس الحكم وبعده رؤساء الوزارات التي شكلت الحكومة البديلة ، كانت من حصة إيران بالدرجة الأولى ، وهذه الحصة فرضتها أمريكا وليس غيرها ، واختيار " نوري المالكي " رئيساً للوزراء وانتشاله من مكب نفايات العراق ، إشارة صريحة إلى أن أمريكا قررت الاعتماد الكلي ليس على إيران فقط ، بل على ذيولها في العراق أيضاً في تنفيذ أهداف ما بعد غزو العراق ، وموافقة أمريكا على كل رؤساء الوزراء المتعاقبين ينبع من هذه الفكرة الأساسية .ه 

السبب الرئيس هو أن أمريكا كانت قد خططت مسبقاً لتنفيذ أهدافها في العراق بالاعتماد على إيران وأدواتها ، لأنها منظمة ومشهود لها بالعداء للعرب ، خصوصاً للعراق ، ولديها مطامع متجذرة فيه عبر التاريخ ، إضافة إلى أن أمريكا كانت لا تريد أن تغوص في مستنقع العراق كما غاصت في مستنقع فيتنام .ه 

ولكي لا ينسى أحد ، فإن أمريكا لم تسلم العراق فقط لذيول إيران ، بل مولت تلك الذيول وحولتها إلى ميليشيات مسلحة واستمر التمويل الشامل حتى عام ( 2017 ) كما اعترف بذلك " دونالد ترامب " وألغى هذا الدعم ، أي أن قيام الميليشيات لم يكن ممكناً لولا التغطية المالية الأمريكية لها .ه

وما يجب التذكير به أيضاً لأهميته البالغة في فهم ما يجري ، هو أن اختيار نقول إيران لحكم العراق يستبطن هدفاً آخر ، وهو أن تنفيذ خطة تقسيم العراق ومحو هويته العربية وهو الهدف المركزي للغزو الأمريكي الذي يمهد لتحويل العراق إلى مستعمرة أمريكية بكل أجزائه ، كان يحتاج إلى عناصر فاسدة حتى نخاع العظم أو جاهزة لأن تكون فاسدة ، فلن يستطيع تدمير العراق قيمياً وأخلاقياً واجتماعياً إلا الحاكم الفاسد ، وهكذا نرى أن الترتيبات الأولية لبدء تدمير العراق بعد غزوه تمثلت في الاعتماد على الميليشيات الإيرانية وإيران وعلى عنصر الفساد والإفساد فيهما فيه .ه

وعندما حللنا اختيار " علي الزيدي " رئيساً للوزراء ، أكدنا هذه المنطلقات الأساسية وقلنا : أن اختيار علي الزيدي لا يختلف عن اختيار من سبقوه فهو عبارة عن محاولة للإيحاء بوجود نية للإصلاح لكسب الرأي العام العراقي المتلهف للإصلاح بعد كل الخراب الذي أحل بالعراق وبكل العراقيين بصورة غير مسبوقة منذ قرون ، فإننا الآن نجد أن خطوات الزيدي هذا تتطابق تماماً مع الخطة الأمريكية المذكورة ، فهو لم يضرب من الفاسدين إلا صغارهم ، أما أخطر الفاسدين وكبارهم ، فلم يُمسوا حتى الآن ، لأن هناك حقيقة أخرى تتعلق بالمخطط الاستخباري الأمريكي لكيفية تحريك الدمى والسيطرة عليها ، يتمثل في أن اختيار أمريكا دعم نغول إيران قبل وبعد الغزو تم تحت خطة لاحتوائهم أمنياً وتركهم يعملون علنيا لصالح إيران ، وأكملت أمريكا احتواء هؤلاء وتدجينهم مخابراتياً قبل انسحابها العسكري في عام ( 2011 ) ، وهكذا نرى أن النمل الأبيض الذي زرعته أمريكا في العراق يتمثل في طغمة الفاسدين بالدرجة الأولى ، الأقدر على نخر بنية العراق وتدميرها إلى أعمق نقطة ممكنة .ه 

وبناء عليه ، فإن اكتفاء علي الجيدي بضرب صغار الفاسدين وإبقاء كبارهم هو جزء من المخطط ، والذي سيؤدي إلى تغيير الولاءات تدريجياً ، من الولاء لإيران إلى الولاء لأمريكا ، وتستمر عملية تدمير العراق ، خصوصاً حينما سيجد المواطن أن الفساد لم يمس جوهرياً ، وأن الأجهزة التي أفسدت في الدولة وتعلمت على الفساد والرشوة وأن العصابات والميليشيات المسيطرة هنا وهناك ربما تحول إلى منظمات أخرى بغطاء آخر ولكنها ستبقى معتمدة من قبل أي بديل أمريكي قادم .ه 

نعيد التذكير بوضوح ، أن الهدف الأمريكي من غزو العراق ليس فقط السيطرة على ثرواته وموقعه ، بل محو هويته القومية والحضارية والتاريخية ، وهذا الهدف أعمق وأعقد من مجرد غزو مسلح لبلد ، إنه عملية شاملة لتفكيك العراق بكامله ، خصوصاً تفكيك الشخصية العراقية ، وزرع شخصية أخرى بديلة ، وهذا لا يمكن إكماله إلا بمزيج من العنف الدموي المستمر والفساد المنظم المالي والأخلاقي والاجتماعي ، وتلك هي مهمة الوزارات التي نصبتها أمريكا وإيران في الدرجة الأولى ، فلا يخدعكم شعار أو عنوان ، فالفساد هو السلاح رقم واحد للغزوين الأمريكي والإيراني ، ويترتب على ذلك أن إنهاء الفساد والإفساد مرهون بالقضاء على الغزوين الأمريكي والإيراني للعراق وليس قبل ذلك .ه 

هيئة تحرير البعث