الحياد في الموقف مما يجري في الحزب ، هل هو رأي وفعل صائب ؟ - الرفيق خليل باسل عبودي

Published on September 20, 2026 at 6:41 AM

لا نذيع أسراراً ، ولا نخرج عن الانضباط في العمل الحزبي حين نقول أن حزبنا ، حزب البعث العربي الاشتراكي ، مر ويمر خلال السنوات الست الأخيرة التي تلت مباشرة رحيل الرفيق الأمين العام ، عزة إبراهيم ، في أسوء أزماته الداخلية حيث ظهرت سلسلة الانشقاقات تضرب وحدة تنظيمات الحزب في أقطاره كافة ، والانقسام الأخطر في تنظيمات الحزب في العراق ، سبقها إلى العلن ظهور وتبلور هياكل حزبية مستقلة عن التنظيم الحزبي في بعض الأقطار ، كالسودان وموريتانيا وتونس ، وما لبث الوضع أن فرّخ انقسامات عن الهياكل الرسمية في كل من الجزائر وفلسطين ولبنان .

هذا الواقع وهذا التشرذم الذي أُريد له أن يتوالد أكثر فأكثر وبفعل فاعل خارجي وداخلي ، تماماً كما حال الأمة ، قوبل بالسلبية أحياناً من كثير من الرفاق ، وبالهجران للحزب ، والابتعاد عنه في أحيان هي الأكثر ، وبالاحباط والانطواء والتسليم بأن دورة الحزب التاريخية في مسار الأمة أشرفت على طي صفحتها ، وآخرين سرحوا في ملكوت رومانسية شاعرية تقترب من أحلام الطفولة ولم تغادرها واكتفت بأن تتغنى بها بتعبير ذاك الزمن الجميل منتبذة حتى سماع وجهات النظر وتتعامل مع المؤسسات كصنم مقدس لا يجوز المس به حتى لو أن ساكنيه شياطين ، وآخرين وهم كثر للأسف توقف معهم الزمن يستعرضون وعيهم ويفاخرون به وأنهم يكتفون بأنهم سيبقوا يحتفظون بالصورة النقية لحزبهم وأنهم يعتزلون ما يسمونه صراع الأخوة ويكتفون بأن يبقوا بعثيين حتى يرحلوا عن عالمنا وليس بالضرورة أن يكونوا حزبيين .

لكل هؤلاء نقول ونذكر ، أن البعثية هي حالة ثورة وانقلاب وديمومة تجدد وتغيير ، والأخلاق البعثية تأتي في المقدمة منها الحفاظ على المبادئ وعدم الارتداد عنها وتحقيق العدالة والدفاع عن الظلم أولاً داخل مؤسسات الحزب للأعضاء وللأقلية ضد جور الأغلبية وحق الأغلبية في انضباط الأقلية واحترام ممارسة النقد والنقد الذاتي بحرية واحترام ودون خوف والتفاعل وإبداء الرأي في كل شأن الحزب والأمة دون اعتبار لما سيعكسه ذلك على المتحدث من مردود شخصي سلبي أو إيجابي ، فمصلحة الحزب والأمة أولاً ، وهما المعياران ، فالعمل الحزبي عطاء ولا ينتظر منه مقابل والمقابل المشروع منه فقط هو رؤية تراكم الانجازات التي يفخر بها الحزب والأمة .

نقول ذلك ليس أستذة على الرفاق ، ولا قراءة لسفر يجهلونه ، فكلنا نعيش في مدرسة البعث ، لكن من أجل ديمومة روح البعث الوثابة وشعلة تجددها في النفوس ، ولنذكّر من أخذته السنون العجاف على الحزب والأمة إلى الإحباط والانطواء وممارسة أضعف الإيمان ، فالبعثي حالة انتفاض وثابة على كل ضعف وتراجع وانكفاء ، ورفض للمساومات في المواقف حتى بين الرفاق ، ولا يجوز أن يتحول إلى شاهد زور أو شيطان أخرس فيما يدور حوله داخل الحزب تحت قوقعة ودروشة الانضباط الشكلي واحترام المؤسسات وقدسيتها وشرعيتها مُسقطاً روح البعث الوثابة المتمثلة بالانقلابية وضرورة تحقيقها في الذات أولاً ، ورفض الظلم والتطبيق الاحتيالي للنظام الداخلي والتكتل المبني على خلق مصالح لهذه المجموعة أو تلك داخل الهياكل الحزبية على حساب مصلحة الحزب وأهدافه ، في الحالة هذه تسقط شرعية مثل هؤلاء فرداً أو جماعة ، وتسقط هيبتهم وتصبح ضرورة التصدي لهم حفاظاً على الحزب فكراً وتنظيماً وعقيدة مهمة كل بعثي أصيل ، ويصبح الابتعاد أو الحياد مبايعة للانحراف بإرادة أو بغيرها ، والعلاج وفق الأسس والوسائل التي ثبتها التظام الداخلي أولاً هو الحل ، وإذا فشل ذلك فلا بد من تعرية الموقف أمام الكل الحزبي دون خجل أو خوف ، فالحزب ليس ملكاً لأحد ، فمن حق كل مناضليه الاطلاع ومعرفة ما يدور ، ومن لم يرتدع ويعود لجادة الصواب حتى لو كان في قمة الهرم أن يُحاسب أمام المؤتمر الذي انتخبه فرداً أو جماعة ، وإذا فشل أو أُفشل عقد المؤتمر العادي يستطيع الأصلاء الدعوة لعقد مؤتمر استثنائي يناقش الموضوع المعني بكل شفافية ووضوح ويبت فيه ، وهذا ما حصل بعد سنوات عجاف مر بها الحزب منذ وفاة الأمين العام ، عزة إبراهيم ، في خريف العام ( ٢٠٢٠ ) ، وبعد كل المبادرات والدعوات للحوار الداخلي والمناظرات والسعي لوقف الانحدار والتدهور والتشظي والموت البطيء الذي يساق إليه الحزب من الداخل قومياً وقطرياً ، وبعد رفض كل تلك المحاولات وفشلها ، لم يجد الخيّرون وطلائع البعث بداً من الدعوة لمؤتمر قومي استثنائي لمناقشة الحال الذي وصل إليه الحزب والعمل لتوحيده واستنهاضه ، فكان انعقاد المؤتمر في ذكرى ثورة ( ١٧ ) تموز مستلهماً الشجاعة والإقدام منها ومن قادتها ، وأضحت القرارات الصادرة عن المؤتمر هي عنوان المرحلة المعبرة عن الحزب ووحدته واستنهاضه لياخذ دوره ولينهض كالعنقاء من تحت ركام الاجتثاث الداخلي الذي أُدخل فيه ، ودعى كل البعثيين والهياكل كما قرأنا في البيان الختامي المنشور للمؤتمر المذكورللالتحاق بالقيادة القومية التي انتخبها والهياكل التابعة لها في الأقطار ، وأضحى التريث بعد ذلك والحياد شهادة زور واصطفاف مع الباطل واستبعاد للعدل وتكريس للظلم الذي مارسه .

المنحرفون عن كل المناضلين .. مختبئين خلف شرعية اغتصبوها في غفلة من الزمن ، في تكتلات بنوها خارج الأخلاق والمصالح الحزبية في كل الأقطار بعد أن قاموا بإبعاد خيرة المناضلين في كل الأقطار ، أما بالفصل والطرد والتجميد أو دفع المناضلين لليأس والابتعاد الذاتي ، وسحبوا الحزب للارتماء في أحضان خصومه تمهيداً لتصفيته وتشظيته وتفتيته للإجهاز عليه نهائياً .