بين الديناصورات العقائدية والأخطبوط المتلون - الرفيقة الدكتورة بيان

Published on September 29, 2026 at 9:44 PM

بين الديناصورات العقائدية والأخطبوط المتلون : حين تصبح المبادئ تحجراً والتلون تطوراً

( في نقد جدلية الأجيال ووهم التجديد الذي يبدأ بتغيير الوسائل وينتهي بتصفية الفكر)

بقلم الدكتورة بـــيان

من المفارقات الساخرة في زمن التجديد حسب الطلب .. أن التمسك بالمبادئ بات عند البعض دليلاً على التحجر الفكري ! ، حتى أصبح وصف المناضلين أو الصقور المتمسكين بعقيدتهم بالديناصورات تعبير عن تصور سطحي للتطور السياسي في زمن أصبحت فيه عبارات مثل “ الفاعل الدولي ” عبارات رنانة يرددها من هب ودب ممن يعي معناها ومغزاها وممن لا يعي ، وكأن الأفكار تخضع لقوانين الانقراض البيولوجي ! ، وكأن صلاحية المبدأ تحدد بتاريخ ميلاد صاحبه .

ولعل أكثر ما يثير السخرية في هذا التشبيه .. أن الديناصور الدوغمائي المزعوم يعرف عقيدته ويتمسك بمواقفه ، بينما يقدم الأخطبوط البراغماتي المتلون نفسه بوصفه نموذجاً للتطور والحداثة ، يغير خطابه كلما تغيرت الظروف ويعيد قولبة نفسه في تفسير المبادئ كلما تعارضت مع مصالحه ثم يطالب الآخرين بالاعتراف بمرونته الفكرية .

إن الفرق بين الديناصور العقائدي والأخطبوط المتلون المرن ليس في القدرة على مواكبة العصر ، بل في العلاقة بين الفكر والمصلحة ، فالأول يتهم بالتحجر لأنه يرفض تغيير قناعاته دون مبررات فكرية مقنعة ، أما الثاني فيجعل من التكيف الدائم فضيلة حتى عندما يتحول إلى تنازل عن المرتكزات التي يعلن الدفاع عنها .

ولعل السؤال الأكثر طرافة هو ما إذا كان الديناصور الذي يرفض الانقراض الفكري أقل تطوراً من الأخطبوط الذي يغير ألوانه كلما تغيرت البيئة المحيطة به ، فالتطور الفكري الحقيقي لا يقاس بعدد الألوان التي يستطيع السياسي ارتداءها ، ولا بقدرته على إرضاء جميع الأطراف وعلى رأسهم ( الفــاعل الدولي ) ، وإنما بوضوح أطروحاته واستقلالية مواقفه واستعداده للدفاع عنها .

وهكذا ظهرت الأمم ورسمت حدودها عن طريق الدينصورات ، ولم نسمع بالأخطبوط أنه أصبح رجل دولة ، وإذا كان التمسك بالمبادئ يجعل من أصحابها ديناصورات في قاموس دعاة التجديد ، فإن تغيير الألوان لا يجعل من الأخطبوط فيلسوفاً ثورياً ! .

أولاً : الفكر حسب الطلب : حين يصبح مزاج الشباب بديلاً عن المبادئ

ثمة مقولة أخذت تتردد في أوساط بعض التيارات السياسية والفكرية حتى غدت أشبه بحقيقة لا تقبل النقاش ، مفادها " أن جيل اليوم يختلف عن الأجيال السابقة " ، وأن مقتضيات العصر تستوجب إعادة صياغة الفكر السياسي بما يتناسب مع تطلعات الشباب ومزاجهم وأساليب تفكيرهم ، وهي مقولة تبدو في ظاهرها تقدمية ، لكنها تخفي رجعية فكرية خطيرة حين تتحول من الدعوة إلى تطوير أدوات العمل إلى المطالبة بإخضاع المبادئ لمتغيرات المزاج الاجتماعي .

لا خلاف على أن الأجيال تتغير وأن التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية تعيد تشكيل الوعي الاجتماعي وأنماط السلوك السياسي ، لكن هذا تفكير سطحي ومغرض يحاول صاحب المصلحة فرضها ، فالتكنلوجيا وسيلة والفكر لا يخضع للوسيلة بل يستخدمها لتحقيق أهدافه .

وهنا يبرز السؤال : هل وظيفة الفكر أن يقود عملية التغيير الاجتماعي أم أن يتحول إلى سلعة استهلاكية يعاد تشكيلها وفقاً لمتطلبات السوق السياسية والفاعل الدولي ومزاج الجمهور ؟ .

تقوم الجدلية التي نحن بصدد نقدها على خلط منهجي بين حقيقتين مختلفتين ، الأولى أن لكل جيل ظروفه التاريخية وأدواته المعرفية ، والثانية أن اختلاف هذه الظروف يستوجب بالضرورة تغيير المرتكزات الفكرية .

الحقيقة الأولى لا خلاف عليها ، أما الثانية فلا تمثل نتيجة علمية حتمية للأولى ، فالأجيال ليست كيانات فكرية متجانسة ولا يمكن اختزال جيل كامل في مزاج سياسي واحد ، داخل الجيل الواحد تتصارع الاتجاهات المحافظة والثورية والإصلاحية والليبرالية ، كما تتباين المواقف تبعاً للمصالح الاقتصادية والانتماءات الاجتماعية والتجارب التاريخية ، فأي شباب يقصد دعاة التجديد ؟ ، وأي مزاج يريدون أن يخضعوا الفكر له ؟ ، ومن يمتلك حق الحديث باسم جيل كامل ؟ .

إن تحويل الشباب إلى مرجعية فكرية مطلقة لا يختلف من حيث بنيته المنطقية عن تحويل الماضي إلى مرجعية مطلقة ، ففي الحالتين يجري استبدال النقد العقلي بسلطة خارجية ، مرة باسم التاريخ ومرة باسم الجيل الجديد ، وليس ثمة ما يجعل الفكرة صحيحة لمجرد أنها قديمة ، كما لا يجعلها صحيحة لمجرد أنها تحظى بقبول الشباب .

إن معيار صلاحية الفكر لا يكمن في عمر حامليه ، وإنما في قدرته على تفسير الواقع وتحديد تناقضاته وتقديم مشروع متماسك للتعامل معها .

اذن الطليعة هي المسؤولة عن قيادة الأجيال وصيانة وعيه من التلوث ومساعدته في تكوين وعيه الوطني الأصيل ، بدون أي تبعية تكنلوجية أو استعمارية .

ثانياً : هل الفكر يقود المجتمع أم ينتظر تعليماته ؟ ..

تكمن المفارقة الكبرى في أن دعاة إخضاع الفكر لمزاج الأجيال يسلبونه الوظيفة التي نشأ من أجلها ، وهي إنتاج الوعي النقدي القادر على تجاوز الواقع لا الاكتفاء بالتكيف معه ، فالفكر السياسي ليس استطلاعاً للرأي العام ولا برنامجاً ترفيهياً تتحدد مضامينه وفقاً لنسب المشاهدة ، إنه منظومة معرفية وقيمية تقوم على تشخيص الواقع وتحديد الأهداف وصياغة الوسائل اللازمة لتحقيقها .

ومن منظور فلسفة التغيير الاجتماعي ينبغي التمييز بين الوعي القائم والوعي النقدي ، فالوعي القائم يتشكل داخل الظروف السياسية والاقتصادية والثقافية السائدة وقد يعكس تناقضاتها ويعيد إنتاجها ، أما الوعي النقدي فيعمل على مساءلة تلك الظروف والكشف عن تناقضاتها وإمكانات تجاوزها ، وإذا أصبح الوعي القائم هو المرجعية النهائية للفكر ، فكيف يمكن للأخير أن ينتقد الواقع الذي أنتج ذلك الوعي ؟ ..

ثالثاً : الثورة ليست تطبيقاً إلكترونياً يحتاج إلى تحديث موسمي

من أغرب مظاهر الخطاب السياسي المعاصر وممارسات من يمولهم ، هي محاولة إسقاط منطق التطور التكنولوجي على التطور الفكري ، وكأن المبادئ السياسية برامج إلكترونية تنتهي صلاحيتها بمجرد ظهور إصدار أحدث .

كلنا نتفق على أن الثورة الرقمية أحدثت تحولات هائلة في وسائل الاتصال وتداول المعرفة والتنظيم السياسي ، لكنها لم تلغ تلقائياً التناقضات الاجتماعية أو علاقات الهيمنة الاقتصادية والسياسية .

إن سرعة انتقال المعلومة لا تعني بالضرورة عمق المعرفة ، وكثرة المنصات لا تعني تعددية الوعي ، كما أن القدرة على الوصول إلى ملايين المستخدمين لا تعني القدرة على إحداث تغيير اجتماعي حقيقي .

ولعل أخطر ما في الخلط بين التكنولوجيا والفكر أنه يحول الحداثة من مشروع معرفي ونقدي إلى مجرد تحديث للأدوات ، فهل يصبح الفكر أكثر تقدماً لمجرد انتقاله من الكراس الحزبي إلى منصة إلكترونية ؟ ، وهل يتحدد عمقه بعدد المتابعين والإعجابات والمشاركات ؟ ..

إن امتلاك أحدث وسائل الاتصال لا يمنح الخطاب السياسي صفة الحداثة الفكرية ، فقد تحمل أحدث المنصات أكثر الأفكار تقليدية ، كما يمكن لنص قديم أن يحتفظ بقيمته المعرفية إذا ظلت أطروحاته قادرة على تفسير ظواهر معاصرة .

رابعاً : بين التجديد الفكري والتصفية الأيديولوجية

من الضروري هنا التمييز بين ثلاثة مفاهيم كثيراً ما يجري الخلط بينها :

تطوير الوسائل — ومراجعة الاجتهادات — وتغيير المبادئ .

تطوير الوسائل عملية تفرضها التحولات التاريخية والتكنولوجية ..

ومراجعة الاجتهادات ضرورة معرفية تتيح تصحيح الأخطاء وتجاوز التصورات التي أثبت الواقع قصورها ..

أما تغيير المبادئ فهو تحول أيديولوجي أعمق قد يفضي إلى إعادة تعريف المشروع السياسي ذاته ..

ولا تكمن المشكلة في أي من هذه العمليات من حيث المبدأ ، بل في الخلط بينها وتقديم إحداها تحت مسمى الأخرى ، فمن حق أي تيار سياسي أن يعيد النظر في مرتكزاته ، لكن الأمانة الفكرية تقتضي الاعتراف بطبيعة هذا التحول وتقديم مبرراته النظرية والسياسية بدلاً من تمريره تحت عنوان فضفاض اسمه مواكبة الشباب .

إن تغيير الموقف من قضية جوهرية كالاستعمار أو التحرر الوطني أو الوحدة القومية ليس مجرد تحديث لأساليب الخطاب ، إنه تغيير قد يمس هوية المشروع السياسي نفسه .

وهنا ينبغي أن ينتقل النقاش من الشعارات إلى الأسئلة الموضوعية ..

ما المبادئ التي يراد تعديلها ؟ ، ولماذا ؟ ، وما التحولات التاريخية التي تستوجب ذلك ؟ ، وما النتائج المترتبة على التغيير ؟ .

أما الاكتفاء بالقول أن الشباب مختلفون ، فهو لا يقدم إجابة علمية عن أي من هذه الأسئلة .

خامساً : الرعيل الأول وحساسية جيل ( Z )

تستحق العلاقة بين الأجيال السياسية معالجة أكثر عمقاً من ثنائية الماضي والمستقبل ، فالرعيل الأول لأي حركة سياسية يمثل تجربة تاريخية ينبغي دراستها ، ورغم إنجازاتها وإخفاقاتها لا يقتضي اختزال هذه التجربة وتجميدها في داخل التاريخ كصورة تذكارية أو تحفة في معرض وكفى ، والتناقض يظهر حين يجري الاحتفاء بتضحيات الأجيال السابقة في الوقت الذي تطرح فيه دعوات غامضة للتخلي عن المرتكزات التي شكلت جوهر نضالها من دون تقديم نقد نظري واضح لهذه المرتكزات .

فالتاريخ ليس معرضاً للصور التذكارية ، بل هو امتداد للحاضر والمستقبل ، والامة التي ليس لها تاريخ ليس لها مستقبل ، أما اختزال هذا الجهد المعرفي في عبارة ( جيل اليوم مختلف ) فهو تبسيط لا يليق بجدية المسألة .

سادساً . حين يتحول التجديد إلى سوق للعرض والطلب

يمكن استعارة مفهوم التسليع من الاقتصاد السياسي لفهم إحدى مشكلات الخطاب السياسي المعاصر، فحين يصبح الهدف الأساسي هو استقطاب الجمهور بأي ثمن تتعرض الأفكار لخطر التحول إلى منتجات دعائية يعاد تشكيلها تبعاً لاتجاهات الاستهلاك السياسي ، وبهذا المنطق لا يعود السؤال ما الفكرة التي يمكن الدفاع عنها معرفياً وأخلاقياً ؟ ، بل يصبح ما الفكرة الأكثر قابلية للتسويق ؟ ، ولا يعود المطلوب بناء وعي الشباب ، وإنما إنتاج خطاب يضمن رضاهم الفوري .

إنها حالة يمكن تسميتها بالاستهلاكية الأيديولوجية ، حيث تقاس قيمة الأفكار بقدرتها على الانتشار وتتحول المرونة السياسية من أداة للتعامل مع الواقع إلى غاية مستقلة عن المضمون ، ومع ذلك لا ينبغي الخلط بين الإصغاء إلى الشباب وإخضاع الفكر لأهوائهم المفترضة ، فالشباب ليسوا مجرد جمهور مستهدف وإنما فاعلون قادرون على حما الرسالة .

وأخيراً : حين يصبح الإصلاح مدخلاً لتفكيك العقيدة والمؤسسة

انتباه .. ليس كل من يرفع شعار الدفاع عن العقيدة يحافظ عليها بالضرورة ، ولو تناولنا ممن يتبنون توجهات مماثلة وأخضعنا مواقفهم وممارساتهم لدراسة مقارنة مع تجارب تاريخية أخرى لأمكننا اختبار فرضية بالغة الأهمية .

هل يمكن أن تتحول الدعوة إلى الإصلاح والتجديد في ظروف معينة إلى آلية لتفكيك الفكر والمؤسسة من الداخل بينما يحتفظ القائمون عليها بشرعية تاريخية مستمدة من المؤسسة ذاتها ؟ .

يقدم التاريخ السوفيتي حالة جديرة بالدراسة ، فقد أطلق " ميخائيل غورباتشوف " مشروعين إصلاحيين جَمّلا اسم إعادة البناء والشفافية والانفتاح ، ورغم أن الهدف المعلن كان إصلاح النظام السوفيتي ، فقد أسهمت هذه التحولات في إضعاف مركزية الحزب الشيوعي للسلطة ، وانتهت المرحلة بتفكك الاتحاد السوفيتي عام ( 1991 ) .

وهنا تبرز هنا إشكالية تستحق البحث ، متى يكون الإصلاح وسيلة لإنقاذ المؤسسة ، ومتى تصبح نتائجه عاملاً في تفكيك الأسس التي قامت عليها ؟ .

أخطر التحولات الفكرية والتنظيمية ليست بالضرورة تلك التي يعلن أصحابها القطيعة مع الماضي ، وإنما قد تكون تلك التي تجري باسم المحافظة عليه .

ومن هنا ، فإن دراسة العلاقة بين الإصلاح والتفكيك وبين الشرعية التاريخية والممارسة السياسية ستكون موضوع بحثي القادم ، من خلال مقاربة تاريخية مقارنة تتناول التجربة السوفيتية وتختبر مدى انطباق آلياتها على حالات أخرى نراها منتشرة اليوم بين من يبيع الوطن تحت اسم الوطن وبين من يبيع الحزب باسم الحزب .