ميشيل عفلق ، وبناء المستقبل مع الجيل الجديد - الرفيقة الدكتورة زينة الرافعي

Published on October 2, 2026 at 9:29 PM

ميشيل عفلق وبناء المستقبل مع الجيل الجديد

الدكتورة زينة الرافعي

كيف نعيد اكتشاف روح النهضة ؟ .

بعد أيام تأتي الذكرى السابعة والثلاثون لرحيل القائد المؤسس ميشيل عفلق في وقت تعيش فيه الأمة العربية مخاضاً عسيراً ، يثبت يوماً بعد يوم عمق الرؤية الفكرية التي انطلق منها .

إن المحاولات المستمرة من قِبل " أمراء معاهد التشويش " للترويج لـ " موت الأيديولوجيا " أو ما يسمونه بضرورة " التجديد " الذي يفرغ الفكر من مضمونه ، وغالباً ما تستهدف تفكيك المرتكزات الأساسية للهوية القومية .

إن استذكار الراحل الكبير الأستاذ ميشيل عفلق اليوم ليس مجرد طقس احتفالي ، بل هو وقفة مراجعة للتمسك بالثوابت في مواجهة موجات التشكيك والتجريف الفكري التي تحاول صياغة وعي عربي مشوه ومعزول عن تاريخه وأهدافه المصيرية .

ففي زمن ضعفت فيه أوصال التواصل بين الأطر التنظيمية القديمة والجيل الجديد من الشباب ، وتتصاعد فيه دعوات ظاهرها إيجابي وباطنها سلبي تدعو للتخلي عن فكر البعث ممثلاً بالأُسس العظيمة التي وضعها القائد المؤسس ، تبرز الحاجة الملحة لإعادة النظر في أدواتنا السياسية برمتها ، وتتضاعف الحاجة لتوضيح اسس عقيدة البعث بصفتها متطورة مع الزمن وتلبي ضرورات التقدم العلمي والتكنولوجي والاجتماعي .

فالتجربة تثبت أن الأسلوب القديم لا يتمخض الجديد تلقائياً ، بل لا بد من جهد إنساني معاصر جدي وواقعي ، وأن استنساخ الأساليب البالية لن يعيد الحياة إلى مشروع استُنزفت طاقته التاريخية .

هنا ، تصبح العودة إلى فكر المفكر القومي الكبير القائد المؤسس ميشيل عفلق واستلهامه بصورة محدثة ضرورة منهجية للمس روحه الثورية في مخاطبة عقل وروح شباب اليوم .

أولاً : المستقبل ليس وعداً ، بل حالة وجودية هنا والآن

كان " الأستاذ " كما كان رفاقه من البعثيين القدامى يلقبونه ، يرى أن الخطأ الجوهري في الحركات التقليدية هو تأجيل الحلم إلى " زمن كمي " قادم ، فيفقد بذلك حرارته وقدرته على الالتحام بالوجدان الشبابي .

لقد ميز القائد المؤسس بين الزمن الحسابي والزمن النفسي ، مؤكداً أن " المستقبل ليس هو الوقت الذي سيأتي ، بل هو المستوى النفسي والفكري الذي يجب أن نصل إليه في الوقت الحاضر " .

بناءً على ذلك ، فإن أُولى خطوات بناء الأداة مع الشباب هي تحويل التنظيم نفسه إلى نموذج حي للحياة التي ينشدونها ، لا إلى مجرد آلة لانتظار الغد .

ثانياً : تجسيد القيم ، لا الوعظ بها

لم يكن " الأستاذ " يؤمن بفصل الدعوى عن الممارسة ، فالمشروع الطموح الذي يخاطب الجيل الجديد هو ذلك المشروع الذي يتحقق في سلوك أفراده وتفاصيل حياتهم اليومية ، قالها بجرأة : " لن نقول للعرب : ( ستمضون إلى حياة موحدة حرة اشتراكية في المستقبل ) ، بل نقول لهم : ( هذه هي صورتنا منذ هذه اللحظة ) . فصورة البعثي المنقلب على سلبيات المجتمع والمجسد لصورة إنسان الغد هو وحده الذي يقنع الشباب ، فالشباب لا ينجذب إلى البرامج النظرية المجردة ، بل إلى النماذج الحية الصافية التي تجعل المُثُل العليا ملموسة .

إن الأخلاق في فكر القائد المؤسس ليست ترفاً ، بل السلاح الأقوى في معركة الاستقطاب الفكري .

ثالثاً : البعث .. أصالة تنفتح على الإنسانية

لكي يظل المشروع قادراً على مخاطبة جيل يعيش في عالَم معولم ومنفتح ، لا بد أن يتجاوز عيوب القومية الضيقة .

لقد قدّم الاستاذ ميشيل عفلق مفهوم " البعث " كجسر بين الأصالة والكونية ، معتبراً أن " بعث أمتنا هو بعث للإنسانية بأكملها " ، بمعنى .. يصبح الانخراط في المشروع القومي عملاً إنسانياً بامتياز ، يلبي حاجة الشباب الفطرية للانتماء إلى رسالة عالمية تعيد للحياة طعمها ومعناها .

رابعاً : الهدف الإيجابي .. قوة الحب لا الكراهية

لا يمكن بناء مستقبل على الغضب وحده .

لقد حذّر" الأستاذ " من أن يكون الهمّ الوحيد هو التحرر من العدو ، لأن الهدف السلبي لا يبني .

لقد قال : " الهدف السلبي هو التحرر من الأجنبي ... لكن الهدف الإيجابي هو تحقيق التقدم والسلام والرسالة الإنسانية " .

لذلك ، لا بد أن تكون أداتنا مع الشباب محكومة بـ" إرادة الحياة " والتأكيد على الحب والإبداع ، وليس على ردود الفعل والانتقام .

إن إعادة بناء الجسور مع الشباب لا تمرّ عبر تعديلات شكلية في هيكل الحزب أو خطابه الدعائي ، بل تتطلب " ولادة جديدة " على طريقة ميشيل عفلق : تحويل التنظيم إلى نموذج أخلاقي حيّ، يعيش المستقبل في حاضره ، ويجمع بين جذوره الأصيلة وانفتاحه الإنساني ، ويُحارب بالحب لا بالكراهية .

عندها فقط ، سيتحول السؤال المحبط : " كيف نصل إلى الشباب ؟ " إلى يقين راسخ بأن الروحَ الحقيقية للنهضة لا تموت ، بل تنتظر من يحملها بصدق لتبعث من جديد في قلوب الأجيال .

المراجع :

ميشيل عفلق ، " البعث تعبير عن أفكار الجيل العربي الجديد " في سبيل البعث الجزء الرابع .

ميشيل عفلق ، " الجيل العربي الجديد " في سبيل البعث الجزء الأول .

ميشيل عفلق ، " المستقبل " في سبيل البعث الجزء الأول .

ميشيل عفلق ، " النضال الإيجابي سبيل الجيل الجديد إلى تحقيق الإنقلاب العربي " في سبيل البعث الجزء الأول .

ميشيل عفلق ، " روح الأمة وروح العصر" في سبيل البعث الجزء الثالث .

ميشيل عفلق ، " أصالة الأمة قوة نضالية متجددة " في سبيل البعث الجزء الثالث .

ميشيل عفلق ، " البعث تعبير عن أفكار الجيل العربي الجديد " في سبيل البعث الجزء الرابع ؟