الحقبة العَتَكَوِية …
( ولفظها على وزن البويهية )
الرفيقة الدكتورة بيان
ما زالت الحُقبة العتگوية كما أسميتها منذ سنوات ، تتحفنا بأبشع إفرازاتها ، وتُخرج من مستنقعها وجوهاً وشخصيات لم تجلب للعراق إلا الخزي والعار ، ولم تترك من هيبة الدولة إلا أطلالاً تتناوب عليها مسوخ السياسة ، وأشباه الرجال ، وتجار الشعارات ! .
ومن آخر إفرازات هذه الحُقبة المدعو ( أبو لحية الزيدي ) ، الذي تُثار التساؤلات حتى عن تحصيله الابتدائي ، فإذا به يُقدم في مشهد لا تعرف فيه الكفاءة طريقاً إلى الصدارة ، ولا تعرف الصدارة معنى للخجل ! .
شاهت الوجوه !! ، إن كان هذا وأمثاله يمثلون العراق ، أو يمثلون أياً من ولايات العَتَكَة المتعاقبة على أنقاض الدولة ! ، لقد مسخوا وجه العراق ، وحاولوا ولا يزالون تشويه تاريخه ، حتى صار الوطن الذي أنجب القادة والمفكرين والعلماء يُختزل في مشاهد عبثية ، يتصدرها من لا يملك من مؤهلات القيادة إلا الجرأة على الظهور .
وحتى الثورات في زمن العَتاكة أصابها المسخ ! ، فأصبحت ثورات ناعمة ، ذيلية ، بلا مشروع ولا هوية ولا بوصلة ، ثورات لا تُسمن ولا تُغني من جوع ، سقفها وظيفة ، وغايتها راتب ، ومنتهى شجاعتها إعلان الحياد بين الوطن وخرابه ! ، فشتّان بين من خرج ليقول : « نريد دولتنا الوطنية السابقة » ، وبين من خرج ليستجدي وظيفة أو راتباً ، أو ليعلن بكل فخر أنه مع اللاشيء ! .
شتان بين من يحمل قضية وطن ، ومن يحمل قائمة مطالب شخصية ، وبين من يريد استعادة الدولة ، ومن لا يرى في الدولة إلا دائرة رواتب ! .
إنها الحُقبة العَتكوية بامتياز : حُقبةٌ صارت فيها التبعية ثورة ، واللاشيء موقفاً سياسياً ! .
ويا لبؤس أمةٍ يصبح فيها استرداد الوطن مطلباً متطرفاً ، بينما يُسوَّق الاستسلام للخراب على أنه ذروة العقلانية والوطنية .
ولا نريد تشرين أخرى ، ولا نسخةً جديدة من ثورات تُستنزف فيها الجماهير ، ثم تُختزل دماؤها وتضحياتها في مساومات السلطة ، وتقاسم الغنائم ، وتدوير الوجوه ذاتها ! ، نريد ثورة شعبية حقيقية ، وطنية الهوية ، واضحة الغاية ، تعيد إلينا عراقنا ، عراق المجد والكبرياء والسيادة ، عراق الدولة والهيبة والتاريخ ، لا عراق المحاصصة والتبعية والولاءات المستوردة .
ولا نريد عراقاً جديداً ! ، فقد سئمنا هذه العبارة التي يُراد بها إقناعنا بأن العراق لم يكن شيئاً قبل أن يتفضل عليه العَتاكة باختراع دولة من ركامهم .
فأي عراق جديد يريدون ؟ ، أيريدون منا أن نُرقّع ما مزّقوه ، ونُلزّك ما حطّموه ، ثم نسمّي هذا التشويه بناء دولة ؟! ، نحن لا نريد تلزيك دولة ، بل استعادة دولة ! ، لا نريد وطناً يُفصَّل على مقاسات الطارئين ، بل وطناً يستعيد قامته وتاريخه ومكانته بين الأمم .
العراق ليس مشروعاً جديداً في ورشة العتاكة ، ولا دولةً تنتظر شهادة ميلاد من الذين عبثوا بتاريخها ! .
العراق دولة ضاربة في عمق التاريخ ، وما نريده ليس اختراع عراق آخر ، بل تحرير إرادة العراق واستعادة دولته الوطنية التي يعرفها التاريخ ، ويعرفها العالم ، ويعرفها كل من لم تُمسخ ذاكرته في زمن المسوخ ! .
فلا تُحدّثونا عن عراق جديد ... أعيدوا إلينا عراقنا ، وكفى ! .