افتتاحية العدد 191 - لعبة تقسيم العراق الحاضرة الغائبة مؤقتاً

Published on September 27, 2026 at 4:26 AM

أفتتاحية جريدة البعث العدد 191 في 26-9-2026

لعبة تقسيم العراق الحاضرة الغائبة مؤقتاً

في لقاء وزير الخارجية الأمريكية " مارك روبيو " مع " علي الزيدي " ، المسمى رئيس وزراء العراق ، في نيويورك ، قال له : ( إن بقاء الميليشيات سيعني بلقنة العراق ) ، فما الذي قصده روبيو؟ .ه

ليس ثمة شك في أن هذا التصريح لم يكن صدفة وإنما هو مؤشر خطير لموقف أمريكا الحقيقي تجاه العراق ، وإذا كان البعض قد فسره على أنه ضغط على حكومة الزيدي لكي تعجل بنزع السلاح من الميليشيات الإيرانية في العراق ، فإن هذا التفسير ليس إلا المظهر الخارجي للمعنى ، فبلقنة العراق تعني تقسيمه ، ولجوء روبيو إلى إثارة هذا الموضوع مرة أخرى بعد صمت فترة ليست بالقصيرة حوله ، والذي كان من أهم المواقف التي تتكرر بانتظام وأحياناً أسبوعياً في التصريحات الأمريكية والإسرائيلية ، لجوء روبيو إلى التذكير بالبلقنة يعود لعدة أسباب جوهرية أبرزها :ه

أولاً : التذكير بأن المخطط الأمريكي تجاه العراق بالأصل قام على ( محو العراق الذي نعرفه ) وإقامة كيانات قزمة ومقزمة يمكن التلاعب بها بسهولة ، وهذه الكيانات لن تقوم إلا بتقسيم العراق على أسس طائفية وعرقية وغيرها ، والموقف الأمريكي يستند على مخطط " برنارد لويس " الذي وضع لتقسيم كل الأقطار العربية .ه

وتقسيم العراق ليس هدفه فقط تحويله من كيان واحد إلى عدة كيانات وصفت بالفدرالية في دستور حكومة الاحتلال في العراق ، بل هو انتقال من الدولة البسيطة الواحدة التي كان عليها العراق حتى غزوه إلى كونفدرالية تضم دويلات متناحرة متناقضة لا يجمعها أي رابط سوى الصراع في ما بينها ، ولكن الاحتلال الأمريكي يتولى التنسيق بين تلك الكيانات لكي يحقق الهدف المرجو من تقسيم العراق ، وهو فرض السيطرة التامة على كل أجزائه واستثمار ثرواته ونهبها .ه

ولم تخفي الإدارات الأمريكية المتعاقبة قبل وبعد غزو العراق أن هدفها هو تقسيم العراق ، وهذا هو المعنى الأخطر لتصريح روبيو وزير الخارجية الأمريكية .ه

ثانياً : وعلى النقيض مما يعتقده البعض ، فإن عدم حسم أمريكا مسألة تجريد الميليشيات من السلاح وإبقائها معلقة طوال السنوات الأخيرة صدفة ، بل هو أحد أهم تكتيكات المخابرات الأمريكية ، وهدفه إبقاء القلق وعدم الاستقرار قائمين يعمقان الأحقاد والتناقضات بين أبناء العراق ، فعدم الحسم هدفه زرع المزيد من المشاكل والتناقضات والثارات ،  ومنها جعل نزع سلاح الميليشيات يتم بقوة الحكومة ، وهذا يعني سفك دماء العراقيين مع أن بإمكان أمريكا تصفية قادة يعارضون نزع السلاح بالمسيرات فقط ، وهو ما لم تفعله أمريكا حتى الآن ! .ه

ثالثاً : وعدم الحسم يعود أيضاً إلى أن تقسيم العراق يرتكز في أحد قواعده على عدم القضاء على الميليشيات الإيرانية في العراق ، وإنما إعادة تأهيلها ليتحول ولاؤها من إيران أولاً إلى أمريكا أولاً ، مع المحافظة على صلات جيدة مع حكومة إيران التي تتشكل الآن تحت الضغط الأمريكي . والسؤال هو لماذا ؟  ، لأن هذه الميليشيات خططت أمريكا لتحويلها إلى حزب أو أحزاب سياسية مجردة من السلاح وتخضع للدولة ، وبعد تنقية هذه الميليشيات من العناصر التي شيطنتها جرائمها ضد شعب العراق وغيره تتحول إلى أحد الاحتياطيات البشرية التي تحتاجها أمريكا لموازنة التيارات القومية والوطنية الرافضة لكل أنواع الاحتلال بما فيه الاحتلالين الأمريكي والإيراني ، وبالتالي فإن أمريكا بحاجة لأداة بشرية تستطيع استخدامها أثناء أوقات الأزمات الكبرى للضغط على القوى الوطنية أو لضربها بها وليس فقط بالأجهزة الأمنية والعسكرية .ه

رابعاً : إن عدم حسم مسألة سلاح الميليشيات جزء من الضغوط المتبادلة بين أمريكا وإيران ، فأميركا تريد أن تدرك القيادة الإيرانية المتبقية أن هذه الميليشيات ستحول ولاءها من طهران إلى واشنطن ، وهو إدراك يعد أخطر تهديد للمشروع الإمبراطوري الفارسي ، فالعراق بالنسبة لإيران ، وبعد أن جرد ( حزب الله ) في لبنان من أغلب قوى العسكرية وزرعت الفرقة بين الميليشيات الإيرانية في لبنان ، وتحديداً بين حزب الله و( حركة أمل ) ، فإن التلاعب الأمريكي بموضوع العراق وإبقائه معلقاً بين الحسم والتأجيل ينعكس سلباً على القيادة الإيرانية الحالية ويدفعها للتنازل والتراجع ، لأن فقدان العراق نهائياً هو إعلان صريح بدفن المشروع الإمبراطوري الفارسي لعدة عقود على الأقل ، لذلك فان تلويح امريكا لإيران بأن نفوذها في العراق لن يجتث بل سيخضع للإرادة الأمريكية إنما هو دفع لها لتقليص فترة الاستسلام التام .ه

وفي ضوء الملاحظات السابقة ، فإن تذكير روبيو ببلقنة العراق هو تأكيد لوجود هدف استراتيجي هو تقسيم العراق إلى ثلاثة دول ، والتلاعب بهذا الموضوع صعوداً ونزولاً جزء من اللعبة .ه