افتتاحية جريدة البعث العدد 193 في 10-10-2026
لعبة القضاء على الفساد في العراق
من القواعد الأساسية في إدامة وتغذية الفساد في دول كثيرة ، قاعدة تغيير الحكومة وتحميلها مسؤولية الفساد ووعد الحكومة الجديدة بأنها ستنهيه وتعالجه جذريا ! ، وهذا ما رأيناه في العراق بعد الاحتلال ، فكل حكومة من الحكومات التي كانت تساهم في تعميق وتوسيع نطاق الفساد تعد عند وصولها بإزالته وبمعاقبة الفاسدين واستعادة الثروات التي نهبوها ، وبعد أن تمضي أربع سنوات أو أكثر أو أقل ، تتوفر الأدلة على أنها تعميق الفساد وتوسع نطاقه ، تتغير وتأتي حكومة أخرى ! .
وهكذا تستمر لعبة إدامة وتغذية الفساد وتوسيع نطاقه لكي يصل إلى الهدف الذي وضع من أجله ، وهو زرع عوامل تفكك القيم الأخلاقية ونقل أبناء المجتمع من التمسك بتقاليد أخلاقية رصينة قوية تدين الفساد وتحاربه وتعتبره حالة شاذة ، إلى التعايش معه ، بعد سقوط الحاجز النفسي والأخلاقي الذي كان يمنع التورط فيه ، وهذا الهدف هو الذي وضع الاحتلال الأمريكي قواعده وأصوله وكيفية تحقيقه ، وجاء التنفيذ على يد نغول إيران وأمريكا معاً في العراق وهو ما نراه الآن .
هذه المقدمة ضرورية جداً لفهم اللعبة التي مارستها حكومة " علي الزيدي " ، فهي جاءت بعد عدة حكومات وعدت بإزالة الفساد وإعادة أموال الشعب ، إلا أنها لم تفعل ، ولذلك كان عليها أن تقدم على خطوات ظاهرياً تبدو كأنها بداية حملة القضاء على الفساد لكي تكسب هذه الحكومة دعم الناس ، خصوصاً الذين تضرروا بشدة من الفساد وهم الأغلبية الساحقة ، وتستمر عملية الفساد على نحو أعمق وأشد ، وبالتالي تزداد عوامل اليأس من إنهاء الفساد ، وعند ذاك تزداد ظاهرة التكيف من قبل فئات مسحوقة إلى حد العجز عن توفير طعام اليوم مع هذا الواقع ، فينتقل الفساد من الفساد المالي على مستوى الحكومة إلى الفساد الأخلاقي على مستوى كتل كبيرة من الشعب .
لقد مرت شهور طويلة على بدء الحملة على الفساد من قبل حكومة علي الزيدي وثبت خلالها أن الحملة لم تشمل إلا الأسماك الصغيرة من الفاسدين ، أما الحيتان الأكبر من زراع الفساد ورعاته وناشريه والمستفيدين منه ، والذين تحولوا من معدمين أو شبه معدمين مادياً إلى مليارديرية يملكون العقارات داخل وخارج العراق بطريقة مذهلة ، هؤلاء أستثنتهم حملة علي الزيدي ، بل بقوا هم الذين يتحكمون في مسار حكومته ، وهذا الأمر أصبح واضحاً ، فقد كشفت اللعبة التقليدية المتمحورة حول إدامة الفساد وتضليل الرأي العام .
لماذا تشجع إيران على الفساد وتدفع نغولها لتوسيع نطاقه وتعميقه ؟ ، الجواب لأنها المستفيد الأول من هذا الفساد ، فقد أكدت الوثائق الحكومية العراقية طوال أكثر من ( 20 ) عاماً على وجود اتفاق واضح بين إيران ومن يتولى وزارة أو منصب عال بأن ( 80% ) مما يسرق من ثروات العراق من قبل الفاسدين تذهب إلى إيران و( 20% ) منها إلى الفاسدين ، وتمويل إيران لحروبها ومؤامراتها خارج إيران وإسناد الاقتصادي الإيراني يعتمد أساساً على ما يُنهب من مليارات الدولارات كل أسبوع من العراق ، وهذا أمر أصبح ثابتاً تماماً .
أما لماذا تسكت أمريكا ، فلأنها عندما غزت ودمرت العراق بالوسائل العسكرية فأن هدفها النهائي كان تقسيمه ومحو هويته العربية ، وفرض هويات مزيفة معادية للعروبة ، وهذا هدف لا يمكن تحقيقه بالعمل العسكري ، فهو حادلة تمهد الطريق لما هو أخطر ، أي تغيير التراكيب النفسية للشعب في العراق ، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا عبر أزمات طاحنة اقتصادية وأخلاقية وسياسية وعسكرية ، تجرد الإنسان من الصبر والثوابت تدريجياً ، والصبر يقضم تدريجياً عبر تعميق الأزمات الاقتصادية ، بالأخص أزمة العوز والحاجة والفقر ، وبالتالي ينفلت عدد ليس بالقليل من قيمه الاخلاقية وينخرط رغماً عنه في مسيرة الفساد ، وتصبح ظاهرة الفساد أكبر من أن تقتصر على الحكومة وتنتقل إلى أجزاء ليست بالقليلة من أبناء الشعب ، وتلك هي الضمانة الأساسية لتغيير هوية العراق لأن سقوط القيم الأخلاقية يسمح بالإقدام على أي خطوة أخرى توصل إلى محو الهوية العربية للعراق .
هيئة تحرير البعث