سجود عند أعتاب كسرى - حامد الضبياني

Published on August 4, 2026 at 1:23 PM

سُجودٌ عند أعتاب كسرى

بقلم : حامد الضبياني 

ليس أكثر إيلاماً من أن ترى بيتك يحترق فتسأل عن سلامة يد الذي أشعل النار فيه ، ولا أكثر وجعاً من أن تسمع أنين مدنك وهي تُقصف ، ثم ترى بعض أبنائها يخرجون من تحت الركام هاتفين بحياة من قصفها ، كأن الذاكرة العراقية قد أصابها العمى ، أو كأن الكرامة أصبحت تهمة والوطن مجرد تفصيل صغير في مشروع الآخرين .ه 

لقد علّمنا التاريخ أن الاحتلال لا يحمل هويةً واحدة ، وأن المستعمر لا يتحدث لغةً واحدة ، وأن العبودية لا يتغير معناها إذا ارتدت عمامة أو وضعت تاجاً أو رفعت شعاراً دينياً أو قومياً ، فالعبد يبقى عبداً وإن ظن أنه يمارس الحرية وهو يقبّل حذاء سيده .ه

ما الذي أصاب بعض العراقيين حتى أصبحوا يرفعون شعار : نحن مع من يقتلنا ؟ ، أي فلسفة سوداء هذه التي تجعل الإنسان يتحول إلى شاهد زور على دمائه ؟ ، وكيف استطاعوا أن يجعلوا الضحية تُصفق للسكين قبل أن تغرس في صدرها ؟ ، لقد عرفنا في التاريخ أسرى الحروب ، لكننا لم نعرف أسرى العقول الذين يتطوعون لحمل قيودهم بأيديهم ويغضبون إذا حاول أحد تحريرهم منها .ه

إن أكثر ما يحزنني ليس الذين جاءوا من وراء الحدود يحملون مشاريعهم ، فالأمم لا تخجل من مصالحها ، وإنما الذين باعوا العراق بأبخس الأثمان ثم خرجوا علينا بثياب الحكماء يحدثوننا عن المقاومة والشرف والعقيدة ، فإذا ما ذُكر العراق جعلوه هامشاً في خطاباتهم ، وإذا ما ذُكر الولي جعلوه متن القصيدة وخاتمة الدعاء ، أولئك الذين سرقوا النفط والخبز والأحلام ثم سرقوا ما هو أخطر من ذلك كله ، سرقوا قدرة الإنسان العراقي على الغضب ، حتى بات بعض الناس يخجلون من قول كلمة العراق أكثر مما يخجلون من إعلان تبعيتهم للآخرين .ه

أدهشني إعلامي خرج علينا ذات يوم منتفخاً بكلمات أكبر من قامته الثقافية حين قال : نحن لسنا أعراباً لتحتلنا أمريكا ، ابتسمت كثيراً لحجم المفارقة ، فهو يستنكف من الانتساب إلى العرب الذين وصفهم الله بأنهم خير أمة أخرجت للناس ، لكنه لا يجد غضاضة في أن يصبح عبداً سياسياً عند أبواب كسرى الجديد ، يخجل من العروبة ولا يخجل من التبعية ، ويرفض أن يكون عربياً ، لكنه يقبل أن يكون تابعاً ، وكأن الوطنية عنده تُقاس بعدد الكلمات الفارسية التي يضعها في خطاباته ، أو بمقدار التصفيق الذي يقدمه لسيده القادم من وراء الحدود .ه

إن المشكلة لم تكن يوماً في الفرس كقوم ، فالشعوب لا تُدان بتاريخها ولا تُحاسب بأصولها ، وإنما في الذين أرادوا للعراق أن يتحول من وطن إلى ساحة ، ومن دولة إلى وكالة حصرية للمشاريع الأجنبية ، وفي أولئك الذين وجدوا في الانحناء فضيلة سياسية وفي التبعية بطولة وطنية .ه

هؤلاء لم يكتفوا بسرقة حاضر العراق ، بل ذهبوا أبعد من ذلك ، حين حاولوا سرقة هويته وذاكرته وروحه ، حتى أصبح العراقي غريباً في وطنه ومتهماً إذا أحب أرضه أكثر مما أحب مشاريع الآخرين .ه

أيها الساجدون عند أعتاب كسرى ، أما تعبتم من حمل نعال سادتكم ؟ ، أما أثقلت ظهوركم حقائب الولاءات المستوردة ؟ ، أما سألتم أنفسكم مرةً واحدة : ه

ماذا قدمتم للعراق غير المزيد من المقابر والأرامل والأيتام ؟ ، لقد أورثتم أبناءنا الخوف والبطالة والجوع ، ثم وقفتم تخطبون عن النصر الإلهي فوق أكوام الخراب .ه

أي نصر هذا الذي يجعل الوطن فقيراً وأنتم أغنياء ؟ ، وأي مقاومة تلك التي تقاوم العراقي إذا طالب بوطنه وتُقبّل يد الغريب إذا طلب ولاءكم ؟ .ه

لقد علّمنا العراق أن الرجال لا ينحنون إلا لله ، وأن النخيل لا ينبت في ظلال الإمبراطوريات ، وأن دجلة والفرات لا يجريان نحو العواصم البعيدة طلباً للبركة ، بل أن العواصم كلها كانت تأتي إليه يوماً تستعير من حضارته معنى الدولة والإنسان .ه

فمن أين جئتم بهذه الثقافة التي تجعل من التبعية عقيدة ومن العمالة فضيلة ومن الخضوع بطولة ؟ .ه

العراق لم يولد من رحم الإمبراطوريات ، بل كانت الإمبراطوريات تمر من هنا لتتعلم معنى الخلود ثم ترحل ، وبقي العراق وحده شاهداً على سقوطها جميعاً .ه 

سقط كسرى وبقي العراق ، وسقطت عروش كثيرة وبقي العراق ، وسوف يسقط كل من ظن أن بإمكانه أن يجعل من هذا الوطن سجادةً تُفرش تحت أقدام الغرباء .ه

أما أنتم الذين ترفعون صور قاتلكم فوق جدران بيوتكم وتبكون إذا غضب سيدكم عليكم ، فاعلموا أن الأمم لا تموت بالاحتلال ، بل تموت حين يتحول بعض أبنائها إلى حراس على أبواب المحتلين ، وما أخطر الخيانة حين ترتدي ثوب القداسة ، وما أبشع العبودية حين تتزين بخطابات الوطنية .ه

اذهبوا إلى كسرى إن شئتم ، فالتاريخ يتسع للخاسرين أيضاً ، أما العراق فسيبقى عصياً على الركوع ، وستبقى سماؤه أعلى من أن تُعلّق عليها رايات التبعية ، وسيظل أبناؤه الحقيقيون يرددون ما لم تفهموه يوماً ، أن الوطن ليس مذهباً ولا حزباً ولا مشروعاً عابراً للحدود ، بل هو الكرامة حين تُختبر ، والوفاء حين يُباع الجميع ، والصدق حين يصبح الكذب مهنة ، والعراق حين يحاول الآخرون أن يجعلوه ظلاً لعروشهم ، ومن لم يتشرف بأن يكون عبداً لله وحرّاً في وطنه ، فلن يشرفه أن يكون سيده كسرى أو غير كسرى .