قرار تسليم سلاح المقاومة - الرفيق أبو هنيدة

Published on August 4, 2026 at 5:46 PM

قرار تسليم سلاح المقاومة 

بقلم : الرفيق أبو هنيدة - القدس المحتلة 

تواردت الأنباء من القاهرة أن حماس وكافة الفصائل وافقت على نزع سلاحها في غزة بما في ذلك السلاح الثقيل وتفكيك المصانع الخاصة به ، وتسليم المخزون من الذخائر والصواريخ ، سواء الدفاعية او الهجومية ، وتسليم خرائط الانفاق ، مقابل أن ينتهي ذلك بانسحاب إسرائيلي شامل من القطاع وانتشار شامل لقوة الاستقرار الدولية والبدء بالاعمار .ه

هنا نسأل ، هل هذا يخدم الاستراتيجية الفلسطينية سواء المسالمة أو المقاومة منها ؟ ، وهل هذا قرار تكتيكي من المقاومة أم قرار استراتيجي يتعلق بحق الشعب الفلسطيني المضمون في القانون الدولي بمقاومة المحتل بكل الوسائل ؟ ، وهل ذلك يعني أن السابع من أكتوبر خطأ استراتيجي ارتكبته حماس والمقاومة ؟ ، وهل ستلتزم حكومة الكيان بتنفيذ الاستحقاقات التي يفرضها عليها الاتفاق ؟ ، وهل سيطرة مجلس السلام ستقود للاستقرار بما يقود لبلورة مسار شامل لحل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي بما يحقق للفلسطينيين حقوقهم في حدودها الدنيا بدولة كاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران بما فيها القدس ؟ ، وهل موافقة حماس على نزع سلاحها وأخواتها يضمن لهم الحماية من الاستهداف ويتيح لهم المشاركة السياسية ؟ ، وهل سيشمل سحب سلاح حماس والمقاومة سحب سلاحهم في الضفة وصمت المقاومة تماما فيها ؟ ، ما هو موقف السلطة الفلسطينية من موضوع السلاح وسحبه ؟ ، وهل سيؤدي ذلك مع تسليم الإدارة كاملة في غزة للجنة الوطنية إلى تحقيق واستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية وإنهاء الانقسام ؟ .ه

إن الاجابة على جملة هذه التساؤولات كفيل أن يوضح الصورة وموقف الأطراف جميعاً منها ، ولكن الأهم هو : هل يؤدي ذلك إلى سحب ذرائع الاحتلال في استمرار حرب الإبادة وبأشكال مختلفة ومنها التوغل الاستيطاني واستهداف الأقصى وإطلاق يد المستوطنين لترهيب الفلسطينيين في الضفة ؟ .ه

بادئ ذي بدء ، مقاومة الشعب الفلسطيني بكل قواه وبكل الوسائل المتاحة حق كفلته له كل الشرائع والقوانين الدولية ، وعليه عندما انتفض حينما رأى أن هناك فرصة من الناحية الفنية وهو مستعد ومتهيأ لها أن يبادر بالقيام بما قام به في السابع من أكتوبر ، قامت مقاومته بذلك لتمزيق الحصار المفروض على القطاع والتحرر من حالة الركود والجمود والرد على الاعتداءات المتكررة من المستوطنين على الأقصى وترويع المواطنين في مدن وقرى الضفة الغربية ، وقد شكلت  العملية صدمة ورعباً للكيان وجيشه ومستوطنيه ، وكسراً لهيبة جيشه وقواه الأمنية للدرجة التي كان انتقام الكيان يرقى لمستوى حرب الإبادة للبشر والحجر والشجر ، وهجرة أكثر من مليون مستوطن إلى خارج الكيان ، هجرة عكسية بلا عودة وانهيار وتوقف لكثير من شركاته ومؤسساته الاقتصادية بما يزيد عن ستين ألف شركة ومؤسسة وخاصة التي تعمل في قطاع تكنولوجيا المعلومات التي تعتبر العمود الفقري للدخل القومي للكيان ، إضافة لذلك تداعى الغرب بكل قواه وعلى راسها الولايات المتحدة بفتح مخازنه التسليحية حتى الاستراتيجية لخدمة الكيان ومساعدته على مدى ما يقرب من ثلاث سنوات .ه

لقد استطاعت القسوة والوحشية وحرب الإبادة التي ارتكبتها حكومة الاحتلال - والتي استدعت ما يقرب من ( ٤٠٠ ) ألف من جنود الاحتياط - من قلب الرأي العام العالمي والغربي خصوصاً ليقف بالكامل مع الشعب الفلسطيني متضامناً معه ، ورافضاً لحرب الإبادة وداعياً لوقفها ، وتبني منح الشعب الغلسطيني حق تقرير المصير ، ووصل الأمر إلى أن يصبح شعار فلسطين حرة من النهر للبحر الشعار المركزي لأي مظاهرة .ه

لقد صمد شعبنا وتحمل القسوة والإبادة والتهجير والعيش في الخيام التي بالكاد تقي شيئاً من برد الشتاء وحر الصيف ، وعانى من الجوع والعطش والعوز للعلاج ، وقدم أكثر من ربع مليون مواطن بين شهيد وجريح ومفقود غالبيتهم من النساء والأطفال وكبار السن صابراً صامداً بإباء حاضناً لمقاومته ، ومقبلاً لتراب وطنه ، لم يطلق صرخة الاستسلام .ه

لقد نجحت المقاومة في تحرير عدد كبير من الأسرى ، خاصة من ذوي الأحكام العالية والمؤبدة ، وقادت المقاومة مفاوضات إطلاق الأسرى باقتدار إلى جانب مفاوضات إيقاف الحرب رغم الضغوط وقسوة المعاناة التي يعيشها الغزيون ، ووافقت على خطة ترامب المسماة مجلس السلام والتي كان من ضمن مراحلها نزع سلاح المقاومة التي أصرت المقاومة أن تكون متناسبة بتقدمها مع انسحاب جيش الاحتلال إلى خط الحدود في السادس من أكتوبر .ه

السؤال ، هل حقق السابع من أكتوبر هدفاً استراتيجياً للشعب الفلسطيني ؟ ، الجواب نعم ، حيث أصاب قائمتي الكيان الأساسيتان في مقتل لا يكاد أن يكون لهم بعده من شفاء ، وهما الأمن والاقتصاد ، حيث لم تعد دولة الكيان هي الدولة ذات الأمن والرخاء التي تجذب المهاجرين إليها ، إضافة لتعرية الكيان كدولة مغنصبة قائمة على السطو والعربدة على حق الفلسطينيين في أرضهم ، فأعادت الصراع للمربع الأول في بداية القرن العشرين ، وتبنى العالم حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني على كامل ترابه التاريخي بشعار فلسطين حرة من النهر للبحر .ه

لقد أتى تدخل " ترمب " لفرض خطته لما أسماه للسلام ، والتي أسماها ( مجلس السلام ) لينقذ الكيان من ورطته وينقذ أمريكا من الإيغال في المشاركة في ارتكاب حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني لدرجة مشاركتها المسؤولية القانونية والأخلاقية في هذه الحرب بدعمها اللامحدود للكيان ، والخسائر الفادحة التي تكبدتها نفسها بإفراغ حتى مخازنها الاستراتيجية من الأسلحة والذخائر التقليدية عدا عن الدعم الاقتصادي والمالي المباشر على حساب دافع الضرائب الأمريكي .ه

وأتت الحرب مع إيران بعد تصفية قيادات( حزب الله ) ، والتقاط الرسالة الإيرانية التي تفسر عدم تدخل إيران بذاتها كقائدة لما سمي بمحور المقاومة ، ولم تسمح لأذرعها في هذا المحور  بالتدخل إلى جانب المقاومة الفلسطينية لما فوق سقف الإسناد ، حيث من اليوم الأول أعلن وزير خارجيتها " عبد اللهيان " حينها أن إيران تعمل على عدم توسيع الحرب ، وكان التعبير الميداني لذلك أن أعلن نصر الله عن اسناده لغزة ولم يتدخل كشريك وفتح جبهة الشمال ، كما كان يهدد بتحرير الجليل إلى أن أعلن " خامنئي " قبل أسبوع من مقتل نصرالله أن إيران لا تحارب من أجل أحد ، وأضاف قبل مقتله بأن الصراع في المنطقة هو صراع بين جبهة اليزيديين وجبهة الحسينيين ، أي أن إيران لا تجد نفسها في صراع مع الكيان ، بل هي تخوض صراعاً مصيرياً مع السنة ! .ه

الغدر الإيراني كان السبب كعادتهم   حيث أن ديدنهم الغدر ، فغدروا بالعراق في ( ١٩٩١ ) وفي ( ٢٠٠٣ ) ، وها هم يغدرون بحليفيهم في المحور حماس والجهاد ، حيث كان متروكاً لحماس تقدير التوقيت للتحرك لما أسموه معركة التحرير يتبعها المحور كاملاً ، وغدروا بأهم أذرعهم ، حزب الله ، وغالبية قيادته من الصف الأول والثاني والثالث ، وغدروا بحليفهم الأسد ، وسيجبروا بعد نهاية الحرب للتوقيع على صك الموافقة على نسف برنامجهم النووي وقطع دعم أذرعهم عسكرياً ومادياً مقابل الإبقاء على ما بقي من نظامهم ليعودوا لما بين السكتين في علاقتهم مع أمريكا كقوة إقليمية في خدمة الأهداف الأمريكية وفق خطة الأمن القومي الأمريكية الجديدة التي أعلنها ترامب للمنطقة .ه

بعد كل هذا الذي نرى نتفهم وإن كنا لا نتفق تماماً مع ما توصلت إليه حماس من اتفاق في القاهرة حول نزع أسلحتها والمقاومة ، وإن كنا قد حذرنا منذ اليوم الأول من الغدر الإيراني ، لأننا أكثر من خبر غدرهم ، وقد تبين واضحاً حتى في وقف إطلاق النار الأول بعد حرب ال( ١٢ ) يوم ، لم يشترط الإيرانيون ولو بإشارة غير مباشرة وقف الحرب على غزة ! ، ومرة أخرى عند توقيع اتفاق المبادىء لم يتطرقوا للضغط وإشراك غزة والمطالبة بوقف الخروقات الإسرائيلية بتاتاً وكأن ما يجري في غزة والضفة يحدث مع خصوم أبديين لهم وليسوا حلفاء حسب المعلن ! .ه

في هذه الأجواء وتخلي العرب الرسميين عنها بما فيهم من يستضيفوهم ، لا بل ممارستهم كل أشكال الضغط عليها ، وجدت المقاومة الفلسطينية نفسها وحيدة ، وللحفاظ على شعبها وتفويت استمرار حرب الإبادة المستمرة لما يقرب من ثلاث سنوات أن تناور بالموافقة على نزع سلاحها تدريجياً وتسليمه استيداعاً لطرف محايد لحفظ كرامة السلاح وكرامة المقاتلين بعدم تسليمه للخصم ، ولتختم محطة في تاريخ مقاومة الشعب الفلسطيني المسلحة ، والتي تركت بصمتها الاستراتيجية الكبرى في الصراع وزرعت الخوف الذي لا يمكن أن يغادر نفوس الإسرائيليين لأجيال قادمة   ليكون ما بعد ( ٧ ) أكتوبر غير ما قبله عندهم .ه

الآن تبدا صفحة جديدة في حياة الشعب الفلسطيني ، ممكن وصفها باستراحة المقاتل والتي نعتقد أنها ستشمل الضفة أيضاً على الرغم من تصاعد الاستفزاز الصهيوني الذي يقوده الثلاثي ( نتتياهو وسيموترتش وبن غفير ) ، ويتميز بإطلاق وتشجيع ترويع المستوطنين للفلسطينيين ، وتشجيع وتقنين مئات البؤر الاستيطانية وتدمير وسرقة ممتلكات الفلسطينيين وأراضيهم ، والتهيئة لاستهداف باقي مخيمات الضفة في الوسط والجنوب ، كما فعلوا بمخيمات جنين وطولكرم ، ويمارس شعبنا ضبط النفس في الضفة بصبر قل نظيره ، في الوقت الذي يدفع به جيش الاحتلال ومستوطنيه للانفجار ليتسنى لهم إشباع نفوسهم بالمزيد من الدم الفلسطيني والضغط لدفعه للهجرة الجماعية ، ولكن هيهات أن بحصلوا على هدفهم هذا .ه