اجتثاث البعث ، وأوجه التشابه بين جزيرة إبستين وصيدا
بقلم : الرفيق بلقاسم صوالحية
ما جرى في مؤتمر جماعة السنهوري في تونس ، كما يراه كثير من البعثيين الرافضين لهذا المسار ، لا يمكن قراءته باعتباره مجرد خلاف تنظيمي عابر ، ولا باعتباره تنافساً مشروعاً حول موقع أو قيادة .ه
المسألة في جوهرها ، تتصل بسؤال أخطر :ه
كيف يمكن لمجموعة أن تستولي على تاريخ ونضال حزب عقائدي في حجم حزب البعث العربي الاشتراكي بأكمله ، ثم تحوّل الشرعية إلى أداة لإقصاء أصحابها ، وتستخدم الترهيب والترغيب ، والضغط النفسي ، والإغراءات ، وصناعة الخوف ، لإعادة تشكيل مواقف الأفراد وقناعاتهم ؟ .ه
ومن هنا ، تبدو المقارنة مع ظاهرة " جيفري إبستين " ، بوصفها مقارنة في آليات صناعة النفوذ لا في طبيعة الجرائم الجديرة بالتأمل ، ف( إبستين ) لم يكن مجرد فرد ارتكب جرائم مروعة ، بل كشفت قضيته عن نموذج يقوم على بناء شبكة من العلاقات والنفوذ واستقطاب شخصيات نافذة ، بحيث يصبح المحيط نفسه جزءاً من منظومة القوة والحماية والتأثير .ه
أما في الحالة البعثية التي نحن بصددها ، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو :ه
هل جرى بناء شبكة مشابهة من الولاءات السياسية ، يكون هدفها النهائي ليس خدمة البعث ، وإنما إعادة هندسة البعث وإقصاء قيادته استكمالاً لعملية اجتثاث البعث الذي اطلقها " بريمر " وفرضها كواقع جديد علي البعثيين ؟ .ه
هنا تأتي ( صيدا ) باعتبارها - في القراءة السياسية التي نطرحها - محطة مفصلية في هذا المسار ، فكما كانت جزيرة إبستين رمزاً لمكان مغلق تُدار فيه شبكة من العلاقات والنفوذ بعيداً عن الرقابة العامة ، يمكن النظر إلى صيدا رمزياً باعتبارها محطةً أعيد فيها ترتيب الأوراق البعثية بعيداً عن الإرادة الحقيقية لقطاع واسع من البعثيين ، وليس المقصود أن صيدا كانت جزيرة إبستين بالمعنى الحرفي ، وإنما التشابه يكمن في فكرة المختبر المغلق الذي تُصنع داخله ترتيبات ، ثم يُطلب من الآخرين التعامل معها باعتبارها أمراً واقعاً .ه
أما " حسن بيان " ، فلا ينبغي أن نضعه في مقام إبستين ، باعتباره حقيقة قضائية أو جنائية ، لكن في الخطاب السياسي الذي يطرح هذه الأسئلة ، يمكن أن يُطرح السؤال عن الدور الذي أدّاه في هندسة هذا المسار :ه
هل كان مجرد طرف في خلاف بعثي ، أم أصبح مركزاً لإعادة إنتاج شبكة من العلاقات والولاءات التي أخذت على عاتقها مهمة تفكيك البنية التقليدية للحزب وإعادة تركيبها وفق رؤية جديدة ؟ .ه
وهنا يظهر أخطر الأسئلة :
من يصنع الوكلاء ؟ ، ومن يمنحهم أدوارهم ؟ ، ومن يحدد المهمة ؟ ، ومن يملك القدرة على مكافأة من ينفذ وإبعاد من يرفض ؟ .ه
إن أخطر ما في أي مشروع لتفكيك حزب ، ليس الشخص الذي يظهر في الواجهة ، وإنما الشبكة التي تقف خلفه ، شبكة تقوم على تحويل المناضل إلى تابع ، والاختلاف إلى خيانة ، والاعتراض إلى خروج ، والولاء للفكرة إلى ولاء للأشخاص .ه
ومن هذه الزاوية ، فإن الحديث عن وكلاء السنهوري يجب ألا يتحول إلى مجرد شتائم سياسية ، بل إلى سؤال عن مسار صناعة الولاءات :ه
كيف انتقل بعض الأشخاص من مواقع الاعتراض إلى مواقع التبني الكامل للمشروع ؟ ، وما الذي تغير في مواقفهم ؟ ، وما هي الضغوط التي مورست عليهم ؟ ، وما هي المنافع السياسية والتنظيمية التي حصلوا عليها ؟ ، وهل كانت تلك التحولات نابعة من اقتناع فكري أم من حسابات مصلحية ؟ .ه
وهنا يمكن فهم مفهوم الاجتثاث الذي نستخدمه مجازياً ، فالاجتثاث لا يعني فقط إبعاد أسماء من مواقعها ، إنه محاولة قطع الصلة بين التنظيم وتاريخه ، وبين الأجيال وتجربتها ، وبين المناضل وذاكرته ، ثم تقديم النسخة الجديدة ، أعني النسخة الأبستيمية باعتبارها النسخة الشرعية الوحيدة .ه
وهذا بالضبط ما يجعل المقارنة مع تجربة إبستين ذات قيمة رمزية :ه
القضية ليست في الشخص وحده ، وإنما في الشبكة التي صنعت حوله ، وفي الأشخاص الذين استفادوا منها ، وفي آليات النفوذ التي جعلت منظومة معينة قادرة على الاستمرار .ه
لكن ، هناك فارقاً جوهرياً يجب عدم تجاهله :ه
جرائم إبستين موثقة في ملفات قضائية وتحقيقات رسمية ، بينما الاتهامات المتعلقة بزمرة السنهوري تحتاج إلى أدلة وابحاث دقيقة قبل تحويلها إلى حقائق ، ولذلك فإن السؤال السياسي الأقوى ليس :ه
من هو إبستين حزب السنهوري؟ ، وإنما : من هو مهندس شبكة النفوذ في هذه الشبكة ؟ ، ومن هم المستفيدون منها ؟ ، ومن هم الذين تحولوا من أصحاب موقف إلى أدوات تنفيذ ؟ ، ومن الذي وضع سيناريو الاجتثاث ؟ ، ومن الذي قرر أن تاريخ البعث يمكن أن يصبح غنيمة تنظيمية ؟ .ه
إن الخيانة الحقيقية ، في المنظور السياسي ، ليست أن يختلف البعثيون حول فكرة أو اجتهاد ، فالاختلاف حق .ه
الخيانة تبدأ عندما يصبح تاريخ الحزب وسيلة للمساومة ، وعندما تتحول الشرعية إلى ملكية خاصة ، وعندما يُستخدم الخوف لإسكات المختلف ، والإغراء لاستقطاب المتردد ، والتخويف من المستقبل لإجبار صاحب القناعة على التخلي عنها .ه
ولذلك ، فإن مؤتمر تونس أو مهزلة ( 18 ) لا ينبغي أن يُقرأ بمعزل عن المسار الذي سبقه ، فالمؤتمر ليس بداية الحكاية ، وإنما إحدى حلقاتها . وإذا كانت صيدا قد مثلت محطة في هذا المسار ، فإن تونس تبدو في هذه القراءة ، محاولة لوضع الخاتمة التنظيمية لمشروع بدأ منذ زمن :ه
إزاحة البعث عن البعثيين الحقيقيين ، ثم الإبقاء على الاسم والتاريخ والرموز بعد تفريغها من مضمونها .ه
وهنا يصبح السؤال التاريخي أكثر قسوة من أي اتهام شخصي :ه
هل نحن أمام خلاف داخل البعث ، أم أمام مشروع لإعادة صناعة البعث من خارج إرادة قواعده ؟ .ه
وإذا كان الأمر الثاني هو الحقيقة ، فإن المعركة ليست مع فلان أو علان ، ولا مع السنهوري وحده ، ولا مع حسن بيان وحده ، ولا مع أي اسم آخر ، وإنما مع منظومة كاملة من صناعة الولاءات وإعادة توزيع الأدوار ، ومع كل من قبل أن يكون أداة في مشروع يعتقد أنه يستطيع أن يقتلع ذاكرة ألحزب من جذورها بمجرد عقد مؤتمر وإصدار قرارات .ه
فالتاريخ لا يُصنع في القاعات المغلقة ، والشرعية لا تُمنح بالإكراه ، والمناضلون لا يصبحون خونة لأنهم رفضوا أن يكونوا جزءاً من مشروع لا يؤمنون به .ه
أما الذين اختاروا أن يكونوا أدوات في مشروع الاجتثاث ، فإن السؤال الذي سيبقى يلاحقهم : ماذا ربحتم يوم خيل إليكم انكم انتصرتم في انجاز مؤتمر صيدا ؟ .ه
هذه قراءة مقارنة بين ما جرى في جزيرة ابستين وما جرى في مدينة صيدا وحالة الغموض التي طغت على مؤتمر صيدا وتأخير مخرجات ذلك المؤتمر .. ، و من هم الفاعلون الحقيقيون في مؤتمر صيدا .ه
انا هنا لا أتكلم عمن حضروا تلك الجريمة ، إنما عمن يحركهم من عواصم إقليمية وأخرى بعيدة ..ه
تونس في17 اوت 2026