البعث .. بين الثوابت ودعوات التجديد - الرفيقة الدكتورة بيان

Published on October 6, 2026 at 2:03 PM

البعث .. بين الثوابت ودعوات التجديد

الرفيقة الدكتورة بيان

لن أبدأ هذه المحاضرة بإجابة ، بل بسؤال .. 

فقبل أن نناقش دعوات التجديد ، علينا أن نسأل سؤالاً ربما كان أبسط الأسئلة وأخطرها ‏‎عندما نقول أو نسمع كلمتي « التغيير » و« التجديد »‏‎ .

ماذا يقصد بالتجديد ؟ ، ‏‎لأننا أمام كلمة براقة ، ‏‎كلمة تبدو للوهلة الأولى بريئة ، إيجابية ، لا يستطيع عاقل أن يعترض عليها .

فهل نعني بهما تعديل الفكرة ذاتها واستبدال شيء من جوهره ؟ ، أم نعني تجديد الأدوات والوسائل التي ندافع بها عن الفكرة وثوابتها وغاياتها ؟ .

كان لا بد أن نبدأ من هنا ، لأن كلمة « التجديد » نفسها تحتاج إلى تفكيك ، حتى لا تختلط في أذهاننا بمفاهيم أخرى كالتغيير أو الاستبدال أو حتى التفكيك .

‏‎لا تخيفني كلمة التجديد ، ولكنني أخشى أن تتحول إلى حصان طروادة يُفكَّك من خلاله الفكر من داخله‏ ، فالتجديد لا يعني بالضرورة التغيير، وهنا تكمن الإشكالية : أن نخلط بين تجديد الفكرة واستبدالها .‏‎

عندما نجدّد بيتاً لا نهدم أساساته ، وعندما يحدّث جيشٌ أسلحته لا يغيّر القضية التي يدافع عنها ، وكذلك الفكر : تتجدد أدواته وأساليبه ، لا هويته مع كل تحوّل في مزاج العصر .

‏‎ومن هنا يأتي السؤال الذي سيكون محور حديثنا هذه الليلة :‏‎ عندما نقول « تجديد البعث » … ماذا نريد أن نجدّد بالضبط ؟ ، هل نتحدث عن تجديد الأدوات والأساليب والخطاب لمواجهة عصر مختلف ؟ ، أم عن إعادة تعريف ثوابت الفكر البعثي وإعادة تعريف الأمة والوحدة والحرية والاشتراكية والثورة والنضال والكفاح ؟ ، وأين ينتهي هذا التجديد وأين يبدأ الاستبدال بتغيير هوية الفكرة نفسها ؟ ، أم نريد تغيير فكر البعث نفسه ، ثم نحتفظ له بالاسم القديم بفكر مختلف جذرياً عن الذي أوجد عليه ؟ ، ‏‎وهنا يبدأ التحدي ...‏‎

هذا هو السؤال الذي سنستقصيه ونتابعه معاً اليوم .

سنعود أولاً إلى القائد المؤسس ميشيل عفلق ، رحمه الله نفسه : ماذا قال عن روح الأمة وروح العصر؟ ، ماذا قصد بالجيل العربي الجديد ؟ ، وكيف جمع بين الأصالة والتجدد ؟ ، ولماذا حذّر في « النضال ضد تشويه الحزب » من تغيير الحزب في عقيدته ثم الاحتفاظ باسمه ؟ ، ثم سنضع الفكرة أمام اختبار التاريخ : سنمر على محطات كبرى واجهت الأمة والبعث بتحديات مختلفة : من قضية فلسطين حيث برزت قضية التجزئة وضياع الأرض ، والسويس حيث اتسع مفهوم التحرر ليشمل السيادة على القرار والثروة ، ثم الوحدة والانفصال حيث انتقل حلم الوحدة من الفكرة إلى تجربة سياسية بكل ما حملته من نجاحات وإخفاقات ، ثم مرحلة الوصول إلى السلطة وبعدها نكسة حزيران ( 1967 ) وما فرضته من أسئلة حول القوة والتحرير، وصولاً إلى حرب تشرين ( 1973 ) وتغيّر أدوات المواجهة السياسية والعسكرية والاقتصادية .

وسنطرح على كل هذه المحطات سؤالاً واحداً : عندما كان الواقع يتغير والتحديات تتبدل ، هل كان المطلوب تغيير مبادئ البعث في كل مرة ؟ ، أم كان التحدي الحقيقي هو إيجاد أدوات وأساليب جديدة لخدمة الغايات نفسها ؟ .

ومن هنا سنحاول أن نعرف : هل التجديد في تاريخ البعث كان تغييراً للبوصلة ، أم بحثاً عن طريق جديد للوصول إلى الوجهة ذاتها ؟ ، وسنصل إلى حاضرنا : إلى دعوات التجديد ، والفكر الهجين ، والبراغماتية ، وحتى الذكاء الاصطناعي الذي أصبح يشارك في صياغة ما نقرأه من أفكار .

وفي النهاية ، لن أطلب من أحد أن يوافقني ، بل أريد أن نخرج من هنا وقد فعلنا واحداً من أمرين : إما أن نصحح مفاهيمنا ، فنميز بوضوح بين التجديد والتغيير والتشويه ، وإما أن يستمر التحدي ، ولكن هذه المرة بسؤال محدد : أرونا التجديد الذي تدعون إليه ، جسّدوه فكرياً وعملياً ، وقولوا لنا ماذا سيبقى من البعث بعده ؟ ، لأن أخطر ما يمكن أن نفعله بالفكر هو أن نختلف حول كلمات لم نتفق أولاً على معناها .‏‎

أيها الأخوة والرفاق

لم تعد دعوات « تجديد البعث » تطرح اليوم بوصفها مجرد مراجعة لوسائل العمل أو تطوير للخطاب أو استجابة طبيعية للتحولات التي شهدها العالم والمجتمع العربي ، بل تجاوز بعضها ذلك إلى إعادة النظر في مفاهيم تشكل جوهر الهوية الفكرية للبعث ذاته .

ومن هنا تنشأ الإشكالية التي تناقشها هذه المحاضرة ، فنحن لسنا أمام خلاف لغوي بين من يحب كلمة « التجديد » ومن يخشاها ، ولا أمام صراع بين جيل يريد المستقبل وجيل يتمسك بالماضي .

إن القضية أعمق من ذلك بكثير : ‏‎هل يمكن أن نعيد النظر في الثوابت التي قام عليها فكر البعث ، ثم نستمر في تسمية الناتج بعثاً ؟ ، نحن لا نرفض التطور ولا ندعو إلى تجميد الفكر ، فالعصر يتغير ، ومعه تتغير أدوات السياسة والاقتصاد والإعلام والتنظيم ، لكن هناك فرقاً بين تجديد الأدوات لخدمة المبادئ ، وتغيير المبادئ نفسها باسم التجديد ، ‏‎فالثوابث والعقيدة ليست تجربةً بشرية قابلة للنقد ، بل هي الأساس الفكري الذي تقوم عليه الأمم وتنشأ الدول ، فإذا نُزعت تغيرت هوية الفكرة ، ‏‎فإذن أصبحت الأمة هنا موضع شك ، والوحدة قابلة للتجاوز ، والقومية مفهوماً ينبغي الاعتذار عنه ، والاشتراكية إرثاً ينبغي التخلص منه ، والرسالة الحضارية فكرةً من الماضي ، ويصبح السؤال هنا حتمياً : ما الذي بقي من الأمة ومن البعث ؟ ، ليس كل تغيير هو تجديداً ، فقد يكون تطويراً وتصحيحاً أو تعديلاً أو استبدال ، وقد يتحول إلى تفكيك تدريجي للفكرة مع الاحتفاظ باسمها .

ومن هنا تنطلق محاضرتنا من سؤالين أساسيين : ما الذي يمكن أن يتغير ويبقى البعث بعثاً ؟ ، وما الذي إذا تغير ، نكون قد تجاوزنا التجديد إلى تغيير هوية الفكرة نفسها ؟ .

هنا تحديداً تبدأ جدلية الثوابت والتجديد ، حين تم إقرار عنوان هذه المحاضرة : بعنوانها « البعث .. بين الثوابت ودعوات التجديد » ، لم أنطلق من افتراض أن الجدل حول التجديد هو جديد أو طاريء أو مستحدث فرضته أزمات الحاضر ، أو أنه سؤال لم يعرفه الحزب إلا في السنوات الأخيرة ، لا .. بل العودة إلى تاريخ البعث تكشف لنا أن هذا السؤال ، بصيغ مختلفة ، رافق الحزب منذ عقوده الأولى ، وأن محاولات إعادة تشكيل صورته ، والطعن في تراثه ، وإعادة تفسير مفاهيمه ، وتبديل بعض معالمه مع الاحتفاظ باسمه ، ليست ظاهرة جديدة ، ولعل من أكثر النصوص دلالة على ذلك كلمة ميشيل عفلق « النضال ضد تشويه الحزب » التي ألقاها في ( 18 كانون الثاني عام 1966 ) ‏‎كان الحزب يومها لا يزال قريب العهد نسبياً بتأسيسه ، ومع ذلك كان عفلق يحذر من ظاهرة رآها شديدة الخطورة ، فقال عن الحزب : ‏‎«" تبدلت معالم هذا الحزب لا بل بُدلت وفق مخططات وتصميم وعمل دائب، حتى يتحول هذا الحزب في عقيدته ‏‎وفي سياسته وفي تنظيمه وفي أخلاقيته ... واحتفظ باسم الحزب " »‏‎ ، هذه العبارة .. على قصرها ، تضعنا مباشرة أمام جوهر القضية التي نناقشها اليوم ، فالمشكلة التي حذر منها عفلق لم تكن اختفاء اسم البعث ، بل كانت إمكان بقاء الاسم بعد تبدل المضمون ، ‏‎أي أن الخطر الأكبر على أية عقيدة ليس بالضرورة أن يأتي من شخص يعلن رفضها صراحة ، وإنما قد يأتي ممن يحتفظ باسمها ، ثم يعيد تعريف مفاهيمها واحداً تلو الآخر ، حتى نستيقظ ذات يوم فنجد الاسم باقياً ، بينما الفكرة التي كان يدل عليها قد تبدلت.‏ ، والملفت للنظر أن عفلق تحدث في النص نفسه عن جيل من الحزبيين بدأ يشكك في ماضي الحزب وتراثه وفي الجيل الذي أسسه ، ثم طرح سؤالاً بالغ الدلالة : كيف يمكن أن يبقى هذا هو حزب البعث إذا شُوّه ماضيه وفُصل حاضره عن جذوره ؟ ، ‏‎لكن الإنصاف الفكري يقتضي أن نقول أيضاً أن عفلق لم يكن عدواً للتجديد‏‎بل قال صراحة :‏‎ « إننا لم نقل بأن هذا الحزب لا يحتاج إلى التجدد » ، ‏‎ووصف فكر الحزب بأنه فكر « ناقد لنفسه » ، يعترف بالنقص ويدعو إلى التصحيح والتطوير .‏، لأن عفلق ، وهو يدعو إلى التجدد ، يرفض في الوقت نفسه قطع الصلة بتراث الحزب وماضيه ، ويقول إن الحركة العقائدية لا تستطيع أن تنمو إذا انقطعت عن تراثها ، ثم يقدم صيغة بالغة الأهمية : ألا نتجمد عند الماضي ، ولكن أن نبقى متصلين به اتصالاً حياً واعياً ..‏‎

إذن ، حتى في السنوات الأولى ، لم يكن السؤال هل نجدد أم لا نجدد ؟ ، ‏‎بل كان السؤال الحقيقي‏‎أي تجديد نريد ؟ ، وأين ينتهي التجديد ويبدأ التشويه ؟‏‎ ، ولكي لا يبقى حديثنا عن مفهوم التجديد اجتهاداً في تفسير فكر عفلق ، دعونا نعود إلى عفلق نفسه ، ونقرأ كيف علاقة الأصالة بالتجديد في عدد من نصوصه وعناوينه الفكرية ، ‏‎« روح الأمة وروح العصر » :

ندخل العصر ونأخذ بأدواته ، ولكن بروح الأمة وهويتها ، لا بالذوبان فيه .‏‎

« الجيل العربي الجديد » : الجيل الجديد لا يهدم ماضي أمته ليكون حديثاً ، بل يحمل قضيتها إلى المستقبل بأدوات عصره .

‏‎« أصالة الأمة قوة نضالية متجددة » : الأصالة ليست جموداً ، بل ثبات الهوية مع التجدد المستمر في وسائل النضال والعمل .

‏‎« البعث تعبير عن أفكار الجيل العربي الجديد » : جِدّة البعث كانت في وعيه واستجابته لواقع عصره ، لا في التخلي عن جذوره القومية .‏‎

« النضال سبيل الجيل الجديد إلى تحقيق الانقلاب العربي » : التجديد هو تطوير قدرة الفكرة على تغيير الواقع ، لا تحويل « حزب الانقلاب » إلى حزب ينساب مع التيار السائد ، و( بالانقلاب المقصود الانقلاب على الواقع ) .‏‎

« النضال ضد تشويه الحزب » : الحزب يحتاج إلى النقد والتجدد والتطوير، لكن تغيير جوهره ثم الاحتفاظ باسمه ليس تجديداً بل تغييراً لهويته .‏‎

عندما نضع هذه النصوص جنباً إلى جنب ، نجد خيطاً فكرياً واحداً عند عفلق : الأمة لا تختار بين الأصالة والتجديد ، الأصالة تحدد هويتها ووجهتها ، والتجديد يمنحها أدوات الحركة في عصرها ، فالذي يتجدد هو الوعي والأسلوب والأداة ، أما روح الأمة فهي التي تعطي لهذا التجدد معناه واتجاهه ، وهذا هو السؤال الذي أريد أن أعيد طرحه اليوم ، بعد ستة عقود تقريباً من تلك الكلمة ، أن موقفي في هذه المحاضرة ( وهو موقف يجمعني مع الكثيرين من هذا الجمع الكريم ) ، واضح : أنا لا أرفض تطور الوسائل ، ولا تحديث لغة الخطاب ، ولا النقد الذاتي ، ولا تطوير التنظيم وأساليب العمل بما يتلاءم مع العصر ، لكنني أرفض أن تتحول كلمة « التجديد » إلى بوابة لمراجعة الثوابت التي تمنح البعث هويته الفكرية .

التجديد في مفهومنا ليس تخفيف الأعباء ، بل تحمل أعباء جديدة .‏‎

هذه هي القضية.‏ ، العالم يتغير ؟‏‎ ، نعم .. ‏‎إذن ، أمامنا مسؤوليات جديدة ، ‏‎التكنولوجيا تتغير ؟ ‏‎نعم .. ‏‎إذن ، علينا أن نتقن أدواتها ، ‏‎الاقتصاد يتغير ؟ ‏‎، فلنبحث عن أدوات جديدة لتحقيق العدالة الاجتماعية ، ‏‎أشكال الهيمنة تتغير ؟ ، ‏‎فلنجدد وسائل مقاومتها ، ‏‎وسائل تشكيل الوعي تغيرت ؟ ، ‏‎فلندخل معركة الوعي بأدوات القرن الحادي والعشرين ، ‏أما أن يتغير العالم فنقرر نحن أن نغير عقيدتنا ، فأي ثورة هذه ؟‏‎ ، الثوري لا يغير قضيته عندما تتغير ظروف المعركة.‏ ، الثوري يغير أدواته لكي يبقى قادراً على خوض المعركة ذاتها.‏ ، لسنا ضد التجديد ... نحن ضد تبديل الهوية ، لو أتينا الى مراجعة بعض من ثوابت البعث لوجدنا ثابتة غير قابلة للتفاوض : الثورة عند البعث ليست محطة ... إنها حالة دائمة لأن الثورة في مفهوم البعث لا تتوقف عند حد ، الثورة ليست انقلاباً ، وليست بياناً أول ، وليست وصولاً إلى السلطة ، وليست مرحلة نقول بعدها : انتهى النضال ، فلنسترح ، الثورة حالة كفاح دائم ، كلما أنجزت الأمة مهمة ظهرت أمامها مهمة أخرى ، وكلما تجاوزت تحدياً ظهر تحدٍّ جديد ، وكلما تغيرت أدوات خصومها كان عليها أن تطور أدواتها ، ولهذا فإن التجدد ليس خروجاً على الثورة ، التجدد هو أحد شروط استمرار الثورة ، كذلك مسالة وجود الامة وكينونتها . ‏‎

نحن أبناء أمة وُلدت في معركة وجود ‏‎وأمتنا لم تولد في فراغ‏ ، ولم يعطها التاريخ ترف أن تعيش على هامشه ، لقد وجدت نفسها ، منذ تشكل وعيها الحضاري ، أمام سؤال الوجود ، أن تكون أو لا تكون ‏، أن تمتلك قرارها أو يمتلكه الآخرون ، أن تصنع تاريخها أو يُكتب لها تاريخها ، ‏‎ودعوني أطرح عليكم سؤالاً : ‏‎حين نشأ فكر البعث ، في أي واقع وُلد ؟ ، وأمام أية معركة وجد نفسه ؟ ، ‏‎لقد وُلد في مرحلة كانت الأمة العربية فيها تواجه الاستعمار والتجزئة والانتداب ، وكانت قضية التحرر والاستقلال والوحدة في قلب السؤال القومي ، ولذلك لم ينشأ البعث تنظيراً مجرداً بعيداً عن الواقع ، بل ـ كما يقول ميشيل عفلق في النص الذي انطلقنا منه - دخل النضال منذ بداياته ، وكان النضال نفسه أحد المصادر التي صاغت فكره ..‏‎ ولنضع الفكرة سريعاً أمام اختبار التاريخ :

‏‎نشأة البعث : وُلد الفكر في واقع الاستعمار والانتداب والتجزئة ، فكان التحرر والاستقلال والوحدة في صلب المشروع ، وكان النضال نفسه جزءاً من تكوين فكره ، فلسطين ( 1948 ) : كشفت النكبة كلفة التجزئة والعجز ، فتحولت الوحدة من فكرة قومية إلى سؤال يرتبط بالقوة والوجود والمصير .‏

‎السويس ( 1956 ) : اتسعت معركة التحرر من تحرير الأرض إلى تحرير القرار والثروة ، فأصبح الاستقلال السياسي ‏‎مرتبطاً بالسيادة الاقتصادية .‏‎

الوحدة ( 1958 ) والانفصال ( 1961 ) : انتقلت الوحدة من الشعار إلى تجربة الدولة .

( 8 ) شباط في العراق و( 8 ) آذار في سورية ( 1963 ) : انتقل البعث من النضال خارج السلطة إلى امتحان الحكم : كيف تتحول العقيدة والشعارات إلى دولة ومؤسسات وسياسات ؟ .

( 23 شباط 1966 ) : انتقل الخلاف إلى داخل البعث نفسه ، وأصبح السؤال : أين ينتهي التطوير ، وأين يبدأ تغيير هوية الحزب مع الاحتفاظ باسمه ؟ .

انتكاسة ( 1967 ) : أعادت سؤال القوة إلى الواجهة ، فلم يعد الاستقلال إرادة سياسية فقط ، بل أصبح مرتبطاً بالدولة والاقتصاد والعلم والتكنولوجيا والقدرة العسكرية .

( 17 تموز 1968 ) في العراق : دخل البعث مرحلة بناء الدولة ، فأصبحت التنمية والتعليم والتصنيع والنفط وبناء المؤسسات من أدوات تحقيق المشروع السياسي .‏‎

حرب تشرين ( 1973 ) : دخل الاقتصاد بقوة إلى ميدان الصراع ، وبرز النفط أداة ضغط سياسية إلى جانب الأدوات العسكرية .

العولمة وعصر التكنولوجيا : تغيرت أشكال النفوذ والتبعية ، فأصبحت المعرفة والإعلام والتكنولوجيا والاقتصاد والذكاء الاصطناعي والثقافة ميادين جديدة للاستقلال والسيادة .

أن يتغير الميدان فتتغير الأداة ، لا أن يتغير الميدان فنغيّر البوصلة .

والآن ... ‏‎دعونا نختبر كلمة « التجديد » قبل أن نصفق لها : بعد أن رأينا كيف ربط عفلق بين الأصالة والتجديد ، دعونا نتوقف قليلاً ونقوم بتمرين فكري بسيط : ماذا لو طبّقنا المنطق نفسه على الآخرين ؟ ، ماذا لو ذهبنا إلى الحزب الجمهوري الأمريكي ، الذي يعود تاريخه إلى عام ( 1854 ) ، وقلنا له : لقد تغير العالم ، وعليك أن « تتجدد » ؟ ، سيكون السؤال الأول : ماذا تريدون منا أن نغيّر؟ ، ‏‎خطابنا ؟ ، برامجنا ؟ ، أدواتنا السياسية ؟ ، هذه كلها تتغير ، لكن هل يعني التجديد أن تتخلى أمريكا عن تصورها لنفسها ، وعن مصالحها القومية ، وعن إيمانها بخصوصية التجربة الأمريكية ومكانتها في العالم ؟ .

‏‎أمريكا غيّرت الرؤساء والسياسات والأدوات مراراً ، وانتقلت من زمن " ثيودور روزفلت " وسياسة القوة والتوسع في النفوذ إلى عالم التكنولوجيا والعولمة ، لكنها لم تستيقظ ذات صباح لتقول : لقد أصبح الدفاع عن المصلحة الأمريكية فكرةً قديمة ، فلنتخلص منها حتى نصبح أكثر حداثة ، هم يغيّرون أدوات القوة كي تبقى أمريكا قوية، فلماذا يُطلب منا أن نغيّر الفكرة نفسها كي نثبت أننا متجددون؟‏‎وهنا يصبح السؤال أكثر استفزازاً:‏‎لماذا يُسمّى تمسّك أمريكا بهويتها ومصالحها « استراتيجية وطنية » ، بينما يصبح تمسّكنا بهويتنا القومية عند البعض « جموداً فكرياً » يحتاج إلى التجديد ، عندما نذهب إلى حزبٍ عقائدي ، قام أساساً على فكرٍ سياسي صاغ رؤيته للدولة والمجتمع وحدّد تصوره لهوية الأمة ، حزبٍ ليس مجرد تجمع انتخابي نفعي يتغير برنامجه بحسب صندوق الاقتراع ، كحزب البعث ، ثم نقول له ‏‎لكي تصبح معاصراً ، عليك أن تتخلى عن هويتك الفكرية ، وأن تنظر إلى تاريخك باعتباره عبئاً ، وأن تعيد تعريف نفسك وفق منظومة فكرية أخرى ، عندها لن نكون أمام « تجديد » بالمعنى البسيط ، بل أمام سؤال أعمق : في أي لحظة يصبح التغيير كبيراً إلى درجة أننا نتحدث عن مشروع مختلف ؟ ، لنجرب أمثلة أكثر استفزازاً للفكر : هل تجديد الحرية يعني التخلي عنها لأنها فكرة قديمة ؟ ، هل تجديد الديمقراطية يعني إلغاء إرادة الناخب لأنها مفهوم موروث ؟ ، وسأستعير هنا بعضا مما كتبته سابقاً عن الديناصورات والأخطبوط البراغماتي .

‏‎لقد وُصف المتمسكون بثوابت البعث بـ« الديناصورات » ، وكأن الثبات على المبدأ يعني العجز عن مواكبة العصر ، لكن البديل عن الجمود ليس أن نتحول إلى أخطبوط براغماتي يمد أذرعه في كل اتجاه ويتلون مع كل ظرف حتى يفقد هويته ، ‏‎والخطر الذي أحذر منه اليوم أخطر من مجرد خلاف حول مفهوم التجديد : أن تُستخدم المؤسسة لهدم المؤسسة ذاتها من الداخل ، ثم يُخرج لنا من أنقاضها كيانٌ مشوّه يحمل الاسم نفسه ، ليُقال بعد ذلك إن الأصل قد تجاوزه الزمن .

وهنا تحضر أمامي مفارقة تكاد تكون ساخرة : عفلق أراد البعث حزبَ انقلابٍ على الواقع ، حزباً لا يستمد شرعيته من مسايرة السائد ، بل من إرادته في تغيير واقع الأمة ، فماذا نفعل نحن اليوم بهذا المفهوم تحت عنوان « التجديد » ؟ ، هل نجدد حزب الانقلاب … بأن نعلّمه كيف ينساب مع التيار ؟ ، هل تصبح المعاصرة أن نتبنى كل فكرة لأنها رائجة ، ونتخلى عن كل فكرة لأنها أصبحت ثقيلة على مزاج العصر؟ ، عفلق تحدث عن الانقلاب ، ونحن نخشى أن ينتهي بنا بعض التجديد إلى الانسياب ، هو أراد فكراً يصنع تياراً ، لا فكراً يسأل كل صباح : إلى أين يتجه التيار كي ألحق به ؟ ، فإذا كان « حزب الانقلاب » سيصبح حزبَ الانسياب مع كل تيار شائع ، فقولوا لنا : على ماذا بقي ينقلب ؟ ، ‏‎التجديد الذي يليق بفكرة انقلابية هو أن تتجدد قدرتها على تغيير الواقع ، لا أن تتجدد قدرتها على التكيف معه حتى الذوبان فيه‏ ، وأخطر ما أخشاه من « التجديد » المطروح عندنا ليس تغيير بعض الأدوات ، بل أن يصل إلى حظر تاريخ الأمة ومستقبلها معاً : أن تصبح هويتها وذاكرتها ومشروعها القومي من المحظورات ، وأن يصبح مجرد الحديث عن مستقبلها ووحدتها ونهضتها تهمةً يجب الاعتذار عنها .

‏‎نعم ، يجب أن نتجدد ، ولكن التجديد يكون في الأدوات والأساليب ، لا في البوصلة .

‏‎ولهذا أقول لكم في ختام حديثي :‏‎ جدّدوا ، ناقشوا ، انتقدوا ، راجعوا ، ولا تخافوا من أسئلة العصر ، ولكن لا تسمحوا لسؤال التجديد أن يتحول إلى سؤال عن حق الفكرة نفسها في البقاء .‏‎

التجديد الذي نريده ليس أن نصنع بعثاً على مقاس العصر، بل أن نصنع بعثاً قادراً على مواجهة العصر .

‏‎الفكرة لا تبقى باسمها ، بل بما يبقى فيها من جوهرها ، والأمة كذلك لا يحفظها اسمٌ إذا فقدت المقومات التي صنعت شخصيتها وذاكرتها ووجودها‏‎ ، ولعل " أحمد شوقي " لخّص هذه الحقيقة حين قال :

‏‎( إنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ *** فإنْ همُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا ) .

وأقول قياساً على معناه :‏‎ وكذلك الأفكار، ما بقي جوهرها بقيت ، فإذا ذهب جوهرها ، فلن ينقذها بقاء الاسم .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الرفيقة الدكتورة بيان‏‎

الخامس من شهر تشرين الأول عام 2026